التعليم المكيف وآليات التكفل بالتلميذ المصدوم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التعليم المكيف وآليات التكفل بالتلميذ المصدوم

مُساهمة  وفاء في الإثنين نوفمبر 22, 2010 8:59 pm

المداخلة ل:د. محمد بوقشور-جامعة سطيف-
عنوان المداخلة: "التعليم المكيف وآليات التكفل بالتلميذ المصدوم" -المدرسة الجزائرية نموذجا –
مدخل:
بالرغم من أهمية التعليم المكيف الذي تلجأ إليه بعض المدارس الإبتداية في الجزائر لمعالجة حالات التأخر الدراسي المستعصية عند فئة من التلاميذ، والحد من ظاهرة التسرب المدرسي، إلا أنه ناذرا ما يطرح كموضوع للنقاش بين أهل الاختصاص والمهتمين بالنظام التعليمي الجزائري.
وإذا كانت العوامل التي تؤدي إلى هذا التأخر عند فئة التلاميذ المذكورة كثيرة، فإن العامل النفسي هو في الغالب أبرزها. فقد تتعرض هذه الفئة لضغوطات وصدمات نفسية، أحيانا تكون أسبابها مدرسية، وأحيانا أخرى تكون أسبابها أسرية، أو اجتماعية، أو حتى أمنية، وقد تتداخل هذه الأسباب كلها أو بعضها لتفاقم من حالة هذه الضغوطات والصدمات وتزيد من شدتها.
وبالنظر لأهمية التعليم المكيف وحاجة الفئة المذكورة إليه، لتجاوز حالة التأخر لديها، ومساعدتها على الاندماج من جديد في الأقسام العادية. فإن الضرورة تصبح ملحة للتكفل الجاد به، وتوفير كل الشروط اللازمة لإنجاحه وبلوغ الأهداف التي وجد من أجلها.
لكن الكثير من شواهد الواقع تؤكد أن المشكلات التي يتخبط فيها التعليم المكيف في المدارس الابتدائية بالجزائر كثيرة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: (الفراغ القانوني، ضعف تكوين المعلمين، النقص الكبير لمستشاري التوجيه والإرشاد، الاتجاه السلبي للأولياء نحو هذا النوع من التعليم، الخلط بين الفئة التي تحتاج إليه وفئة ذوي الحاجات الخاصة ...الخ.)، وبالتالي فبلوغ تلك الغاية التي وجد من أجلها هذا النوع من التعليم تبدو صعبة المنال.
لذلك، فالسؤال الذي تثيره هذه الورقة هو: هل يتم التكفل فعلا في إطار التعليم المكيف الذي تنتهجه بعض المدارس الابتدائية في الجزائر بفئة التلاميذ المصدومين؟
أما السعي للإجابة على هذا السؤال فسوف يكون بالتركيز على العناصر التالية:
1-حول مفهومي الصدمة النفسية والتعليم المكيف.
2- قراءة في واقع التعليم المكيف بالمدرسة الجزائرية.
3- معوقات التكفل بالتلميذ المصدوم في المدرسة الجزائرية.
أولا- حول مفهومي الصدمة النفسية والتعليم المكيف:
1- تعريف الصدمة النفسية: كلمة الصدمة لغة هي من فعل صدم، ومعناه دفع الشخص وضربه بجسمه، ففاجأته المصيبة .
2- تعريف التعليم المكيف:
للتعريف بالتعليم المكيف وكيفية تنظيمه في المدرسة الجزائرية، يمكن الرجوع إلى ما تضمنته مختلف الوثائق الرسمية لوزارة التربية الوطنية، وكذا مختلف المراسلات والمناشير التي صدرت عنها في الفترة الممتدة بين
(1982و2001)، وخاصة ما ورد في مراسلتها إلى السادة مدراء التربية للولايات حول موضوع الرعاية التربوية للتلاميذ المتأخرين دراسيا. والتي أكدت بأن :
أ-التعليم المكيف: هو نوع من التعليم العلاجي يوجه إلى التلاميذ الذين أظهروا عجزا شاملا في التحصيل الدراسي، بسبب الظروف النفسية أو الصحية أو الاجتماعية التي يعيشونها والتي أصبحت تؤثر في وتيرة التعلم لديهم. أو نتيجة ظروف مدرسية غير ملائمة جعلتهم يتأخرون عن زملائهم بسنتين دراسيتين على الأقل. الأمر الذي يحتم تنظيم تعليم خاص لفائدتهم مكيف مع ظروفهم (في مناهجه وطرائقه ووسائله وتنظيم حصصه)، يسعى إلى علاج ضعفهم وتمكينهم من تدارك ما فاتهم بعد فترة من الرعاية المركزة وبكيفية تجعلهم يكتشفون قدرتهم على التعلم، ويسيرون تدريجيا في الاتجاه الذي يهيئهم للاندماج في الأقسام العادية.
ب-التنظيم التربوي للتعليم المكيف: توصي الوزارة بفتح قسم على الأقل للتعليم المكيف في كل مقاطعة تفتيشية مع ضرورة التركيز على تلاميذ السنة الثالثة ابتدائي (أساسي سابقا) ويستحسن أن يفتح هذا القسم كلما كان ذلك ممكنا في تجمعات مدرسية لضمان استفادة أكبر عدد ممكن من التلاميذ المتأخرين دراسيا.
ج-الاستكشاف: يتم استكشاف الفئة التي تحتاج إلى هذا النوع من التعليم من طرف لجنة طبية نفسية وبيداغوجية على مستوى كل مقاطعة تفتيشية والتي تتكون من:
-مفتش التربية والتعليم الابتدائي للمقاطعة رئيسا.
-مفتش أو مستشار التوجيه المدرسي والمهني.
-طبيب للصحة المدرسية.
-مدير المدرسة التي يوجد بها قسم التعليم المكيف.
-معلم في قسم التعليم المكيف.
-نفساني مدرسي إن أمكن.
أما دور هذه اللجنة فيتمثل في:
-القيام بالكشف عن التلاميذ الذين يحتاجون إلى تعليم مكيف.
-متابعة التلاميذ في أقسام التعليم المكيف بهدف إعادة إدماجهم في أقسامهم العادية.
-متابعة التلاميذ بعد إدماجهم في أقسامهم لتذليل الصعوبات التعليمية التي قد تواجههم.
د-التأطير التربوي: تعطى الأولوية في إسناد أقسام التعليم المكيف (ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة) إلى المعلمين المتخصصين الذين كونوا لهذا الغرض. وفي حالة عدم توفر هذا النوع من المعلمين يسند القسم إلى معلمين عاديين, يتمتعون بكفاءة مهنية ورغبة في تعليم التلاميذ المتأخرين دراسيا،على أن يتلقوا تكوينا يخص منهجية تعليم ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة (التعليم المفرد والتعليم في مجموعات مصغرة ) كما أنه ينبغي أن تبرمج لهم أيام دراسية على مدار السنة باعتبارهم في حاجة إلى رعاية و اهتمام خاصين.
ه -البرامج والمواقيت: لعل أهم الملاحظات التي يمكن تسجيلها حول البرامج والمواقيت هي أنه:
- لا يمكن تحديد برنامج مسبق لأقسام التعليم المكيف، فالبرنامج الفعلي والحقيقي ينطلق من الصعوبات التعليمية التي تعترض التلاميذ قصد معالجتها وإزالتها.
- يعطي الحجم الأكبر من التوقيت إلى مواد التعليم الأساسية(القراءة الكتابة، الحساب). أما المواد الأخرى فيمكن أن يتعلمها التلميذ في قسمه العادي أوالأقسام العادية إذا كان التنظيم التربوي يسمح بذلك، وإذا تعذر هذا المسعى يتلقاها في القسم المكيف.
أما عن عوامل التأخر الدراسي عند فئة من التلاميذ فهي كثيرة ومتداخلة ومنها على الخصوص:
أ-العوامل الأسرية: وذلك لما لها من تأثير مباشر وغير مباشر على الحالة الدراسية للتلميذ. وبخاصة إذا اتسمت العلاقات السائدة داخل الأسرة بالتوتر والتنافر والخصام، أو عندما تصل الأمور إلى حد الانفصال والطلاق، كما يمكن أن تنجر عن حالات الإفراط في تدليل الطفل أو المبالغة في تأنيبه عواقب وخيمة تؤثر سلبا على توازنه النفسي وتكيفه الدراسي.
ب-العوامل المدرسية: وفي مقدمتها سوء المعاملة التي يمكن أن يتعرض إليها التلميذ داخل بيئته المدرسية(عنف، اهانة، توبيخ...)، والتي كثيرا ما تؤدي إلى الانطواء والنفور من المدرسة. وفي هذا السياق توصلت دراسة أجراها الباحث الاجتماعي السوري" كامل عمران" حول "تأثير العنف المدرسي على شخصية التلميذ" إلى أن هذا التأثير قد تجلى على المستوى السلوكي، التعليمي، الاجتماعي والانفعالي للتلميذ. ففي المجال التعليمي مثلا تبين أن التلاميذ الذين تعرضوا للعنف المدرسي يعانون فعلا من هبوط في التحصيل التعليمي، إلى جانب عزوفهم الواضح عن المشاركة في الأنشطة المدرسة وغياباتهم المتكررة، والتي وصلت مع البعض منهم إلى حد التسرب من المدرسة . أما بخصوص العنف المدرسي في الجزائر، فإن الظاهرة ما تزال متفشية، بالرغم من أن ممارسة العقاب البدني والعنف اتجاه التلاميذ قد تم منعه بموجب القرار الوزاري رقم:171/2 المؤرخ في: 01 جوان 1992م .
ج -العوامل النفسية: والتي ترتبط في الغالب بالجو الأسري أو بالجو المدرسي أو بالوضع الاجتماعي العام وقد تتداخل كل هذه الجوانب في آن واحد. ومنها مختلف الضغوطات والصدمات النفسية التي يمكن أن يتعرض لها التلميذ. وهنا تجدر الإشارة إلى الصدمات العنيفة التي تعرض لها العديد من المتمدرسين جراء انزلاق الوضع الأمني ودخول المجتمع الجزائري في دوامة من العنف الدموي، طيلة العشرية الأخيرة من القرن الماضي.
د-العوامل الصحية: حيث يمكن أن يرجع التأخر الدراسي إلى بعض الأمراض التي تصيب التلاميذ، أو إلى خلل في نمو الحواس.
ثانيا- قراءة في واقع التعليم المكيف بالمدرسة الجزائرية:
يمكن لكل متأمل في محاولات تحليل وفهم الواقع الاجتماعي أن يميز بين اتجاهين رئيسين هما:
ـ الرؤيا البنائية الوظيفية: التي تنطلق من فكرة " التوازن"، التي ترى أن المجتمع الإنساني يقوم على الاتفاق العام أو الإجماع، وأن الاتزان هو جوهر وطبيعة المجتمع وأن كل مجتمع إنما يتكون من أفراد أو نظم أو مؤسسات يقوم كل جزء على الآخر في علاقة وظيفية متبادلة، بحيث يتحقق في النهاية اتزان كل المجتمع.
ـ الرؤية النقدية: التي تنطلق من فكرة "الصراع"، حيث ترى أن المجتمع ينطوي على صراع وتناقض بين قواه الاجتماعية، وأن التغير يحدث دائما كنتاج للتناقضات والصراعات، وأن أية قوة اجتماعية مسيطرة في المجتمع تحاول دائما أن تفرض مصلحتها وأسلوب حياتها على بقية القوى الاجتماعية في المجتمع، حتى تتحقق لها عوامل السيطرة والاستغلال.
وفي محاولتهما لتجاوز هذه النظرة الضيقة للواقع الاجتماعي وفهمه يستند "إسماعيل قيرة" و"علي خطابي" على المتغيرات التالية :
-المتغير التاريخي.
-المتغير المعرفي النظامي.
-المتغير الأمبريقي.
-متغير البيئة المعاصرة وتأثيراتها.
وحسب الباحثان فإن القراءة المتأنية لما نعيشه تدعونا إلى ضرورة تحليل هذه المتغيرات لفهم خارطة الواقع الاجتماعي.
وإذا كان اهتمام الباحثين الاجتماعيين بمفهوم الواقع قد بين اختلاف نظرتهم إليه، باختلاف أطرهم المعرفية ودرجة احتكاكهم بهذا الواقع وطبيعة ونطاق علاقاتهم الاجتماعية. فإن مفهوم الواقع عند عامة الناس هو ذلك الشيء الحاصل الذي يمكن ترجمته فيما يرى ويشاهد ويسمع ويعاش يوميا. وقد اعتاد الناس في الجزائر الحديث عن الواقع كمرادف للحياة اليومية التي كثيرا ما أظهروا تذمرهم منها، نظرا لتردي أوضاعهم وتعدد مشكلاتهم.
أما عن واقع النظام التعليمي، فإن الجزائر أدركت منذ استقلالها أهمية التعليم في دفع عجلة التنمية، فسارعت إلى الاهتمام به، و بذلت مجهودات كبيرة لتطويره. وتجلى كل ذلك من خلال رسمها لإستراتيجية كانت توحي فعلا بأنها تريد أن ترسي تقاليد ثقافية في الوسط المدرسي، من خلال الآليات التعليمية التي سخرتها لخدمة النموذج الذي ارتأت أنه الأفضل نظريا وعمليا لبناء الهوية الجماعية والشخصية الوطنية.
ومع ذلك فإن شواهد الواقع تؤكد أن النجاح لم يكن حليف القائمين على شؤون النظام التعليمي في الكثير من الجوانب والمحطات. حيث برز إخفاقهم في مجلات عدة، منها: سياسة التكوين، تخطيط وهندسة المنشآت المدرسة، استغلال المجال المدرسي، بيداغوجية التعليم، التقويم التربوي، التوجيه المدرسي، التعليم المكيف...وغيرها.
أما عن واقع التعليم المكيف في المدرسة الجزائرية، فإنه وبالنظر لما تضمنته المراسلات والوثائق والمناشير الوزارية سالفة الذكر من معلومات وتعليمات يتضح القصور المسجل في إدراك متطلبات التعليم المكيف من طرف الوصاية وتخبطها المستمر في إيجاد الحلول لمشكلاته المزمنة، والتي من بينها على الخصوص:
أ-أقسام التعليم المكيف: حيث أشار المنشور الوزاري رقم: 396/1-ع/88المؤرخ في:13/12/1988 صراحة إلى انعدام أقسام للتعليم المكيف ببعض الولايات وذلك لأنها لم تعطيه الأهمية التي يستحقها، الشيء الذي يعبر عن غياب القناعة والوعي بفعاليته.وبالتالي حرمان الفئة التي تحتاج إليه من حقها في الاستفادة من التكفل اللازم وتعريض مستقبلها الدراسي للخطر. كما أن فتح هذه الأقسام في الولايات الأخرى يتم في المناطق الحضرية الكبرى وبمعدل قسم واحد لا غير وشريطة أن يتوفر المعلم المتخصص أو التطوع بغض النظر عن وجود فئة من التلاميذ بحاجة إليها في هذه المناطق، أما إن وجدت هذه الفئة في مناطق أخرى فإن حظوظها تصبح منعدمة.
ب-مشكلة التأطير: شرعت الوصاية في تكوين المعلمين المتخصصين في التعليم المكيف بالمعهدين التكنولوجيين للتربية بالجزائر العاصمة ووهران حيث تخرجت أول دفعة في جوان 1982، واستمر التكوين بوتيرة متذبذبة وإقبال محتشم، وذلك بسبب غياب الحوافز والتشجيعات التي تجعل المعلمين العاديين يقبلون عليه. الشيء الذي جعل العجز في هذا المجال يتفاقم مع مرور الوقت، خاصة بعدما أغلقت المعاهد التكنولوجية في الجزائر. بالإضافة إلى ضعف تأهيل خريجي هذه المعاهد، حيث يبقى مستواهم بعيدا عن الحد الأدنى المطلوب للقيام بالمهمة المنوطة بمعلم التعليم المكيف، لأنهم في الأصل مجرد معلمين في المدارس الابتدائية، ولا يتجاوز مستواهم التعليمي السنة الثالثة ثانوي في أغلب الأحيان. وبالتالي لا يمكن لمردودهم إلا أن يكون متواضعا. أما عندما يتم اللجوء إلى المعلم العادي للقيام بهذه المهمة وسد العجز كما أكدت على ذلك الأمرية الوزارية رقم:24/ م.ت.م/94 والمؤرخة في: 29/01/1994 فالمردود يكون أسوأ.
ج-لجنة الاستكشاف: بالنظر لحجم المقاطعة التفتيشية الكبير وخاصة في المقاطعات الحضرية، وبالنظر لتشكيلة اللجنة ومؤهلات بعض أعضائها، فإن عملية استكشاف كل الحالات التي تحتاج إلى التعليم المكيف تبدو مستحيلة، وحتى لو تحقق ذلك فالتكفل بهم جميعا يبقى أمرا مستحيلا. كما أن غياب الحوافز وخاصة المادية منها يجعل الأعضاء ينظرون إلى المسألة على أنها عبئا ثقيلا ويتهربون من مسؤولياتهم فيها. وقد حاولت الوصاية تدارك هذا النقص فحاولت تدعيم اللجنة بعضو جديد من خلال أمريتها الموجهة إلى الأطراف المعنية تحت رقم: 433 / و.ت/أ.ع. والمؤرخة في: 08ماي2001م، والتي نصت على إضافة نفساني مدرسي إلى اللجنة إن أمكن ذلك. ولأن الصيغة جاءت خالية من أي إلزام فإن الأمر بقي حبرا على ورق لا غير. وجدير بالذكر أيضا أن الإمكانيات المتاحة للجنة للقيام بدورها تبقى متواضعة. فوسائل القياس والاختبارات والفحوص غير متوفرة في الغالب، وإن وجدت فإنها غير ملائمة ولم يتم تكييفها مع واقع وبيئة الفئة المستهدفة.
د-الخلط بين التأخر الدراسي وذوي الحاجات الخاصة: بالرجوع إلى مضمون المراسلة الوزارية رقم:1061/و.ت/م.د المؤرخة في:08/10/1996 يتجلى الخلط الحاصل بين التلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة والتلاميذ المتأخرين دراسيا، بالرغم من أن الفرق بين الفئتين كبير وواضح. فالأولى تشمل صنفين، صنف يمكن له أن يتمدرس في الأقسام العادية إذا توفرت له الظروف الملائمة، ويتعلق الأمر بالتلاميذ المعوقين حركيا والمكفوفين والمصابين بالأمراض المزمنة كالربو والسكري والقلب...وغيرها. وصنف آخر لا يمكن له أن يتعلم في المدارس العادية، ويتعلق الأمر بالصم البكم والأطفال الذين يعانون من تدهور مؤكد لقدراتهم العقلية (ضعف عقلي، تخلف ذهني)، وهؤلاء يتم التكفل بهم خارج القطاع وفي إطار ما يسمى بالتعليم المتخصص. أما الفئة الثانية فتشمل التلاميذ المتأخرين دراسيا ويكون هذا التأخر ظرفيا وناتج عن أسباب نفيسة أو تربوية أو اجتماعية أو صحية تكون قابلة للعلاج داخل أقسام التعليم المكيف.
ثالثا- معوقات التكفل بالتلميذ المصدوم في المدرسة الجزائرية:
أ‌-غياب الكفاءة في التأطير:
ب- الدور السلبي للأسرة: رغم أهمية الدور الذي يمكن للأسرة أن تقوم به في هذا المجال إلا أن هذا الدور كثيرا ما يتأثر سلبا بالنظر لضعف التنسيق والاتصال بينها وبين المدرسة، خاصة أنه وفي ظل الفراغ القانوني ليس هناك ما يلزم الطرفين على القيام بذلك. وإذا كانت المدرسة تتحاشى الاستعانة بالأسرة، باعتبارها شريكا وطرفا فاعلا في العملية التربوية. فإن هذه الأخيرة لا تكون مستعدة للقيام بهذا الدور في أغلب الأحيان. وذلك راجع إما لجهلها، أو لسلبيتها ورفضها الإقرار بالأمر الواقع، إذ كثيرا ما يصر الأولياء على أن أبناءهم ليسوا في حاجة إلى تعليم مكيف، ويدخلون في صراع مع المدرسة بدلا من التعاون معها لمصلحة أطفالهم. وطبعا يصعب الحديث عن تحقيق نتائج إيجابية في مثل هذه الحالات.
ج- محدوددية دور مستشار التوجيه والإرشاد: بالنظر لطبيعة تكوينه ( ليسانس في علم الاجتماع أو علم النفس وعلوم التربية)، كما أن عدم استفادته من أي تكوين متخصص قبل الالتحاق بمنصب عمله يجعله غير مؤهل للقيام بالأدوار المنوطة به، كما حددها القرار الوزاري المؤرخ في: 13 نوفمبر 1991م وخاصة ما تعلق منها بالدعم والمتابعة التي تتطلب تحكما كبيرا في دراسة الحالة وتقنيات التحليل النفسي، والقدرة على التواصل مع هذه الفئة من التلاميذ، والتنسيق مع باقي الأطراف الفاعلة والمؤثرة في العملية التعليمية ( معلم قسم التعليم المكيف، مدير المدرسة، مفتش المقاطعة، الأولياء).
وبالنظر لاتساع رقعة مقاطعة التدخل التي يكلف بها مستشار التوجيه والإرشاد (عدة ثانويات مع الإكماليات التابعة لها + أقسام التعليم المكيف إن وجدت بالمقاطعة)، وكذلك تنوع النشاطات الموكلة إليه(الإعلام المدرسي، التقويم، التوجيه، الدعم والمتابعة، التكوين، البحوث والدراسات)، فإنه يصعب عليه تغطية نشاط واحد داخل مقاطعته، فما بالك بباقي النشاطات.
د- محدودية تدخل الطب المدرسي: أحيانا تكون أسباب التأخر المدرسي عند التلميذ صحية (مرض عضوي مثلا)، وهنا يصبح تدخل الطب المدرسي في الوقت المناسب، وبالفعالية والسرعة المطلوبة، كفيل بمعالجة التلميذ وتجنيبه الوصول إلى أقسام التعليم المكيف التي تكون في مثل هذه الحالات سببا في تأزيم وضعيته بدلا من معالجتها. والملاحظ أنه وبالرغم من المجهودات التي بذلتها الدولة الجزائرية لتفعيل دور الطب المدرسي، إلا أن الحاجة تبقى ماسة إلى مزيد من المجهودات، وخاصة في مرحلة التعليم الابتدائي التي يكون فيها التلميذ بحاجة إلى تنشئة صحية سليمة وتكفل طبي يقيه شر مختلف الأمراض وضاعفاتها.
ه- محدودية دور اللجنة الطبية النفسية البيداغوجية: بالنظر لتشكيلة هذه اللجنة، وفترات اجتماعاتها، وكذا طبيعة الظروف التي تعمل فيها، وتواضع الإمكانيات التي توضع تحت تصرفها، فإنه يصبح من السذاجة الرهان على دور فاعل لهذه اللجنة ولا حتى مجرد القدرة على التنسيق بين أعضائها.
فاللجنة لا تجتمع إلا مرة واحدة في السنة لضبط قائمة التلاميذ الذين يتم توجيههم إلى أقسام التعليم المكيف، وكثيرا ما يتغيب عن الاجتماع بعض أعضائها، نظرا لغياب محفزات تشجعهم أو قوانين تلزمهم بالحضور.
و-أسبقية السياسي والإداري على العلمي والبيداغوجي في تسيير شؤون النظام التعليمي الجزائري: حيث أنه وفي مجال التعليم المكيف، يخضع فتح الأقسام المخصصة له لأهواء ورغبات السياسيين والمسيرين الإداريين، ومدى استعدادهم لتوفير الحد الأدنى من شروط فتحها، بغض النظر لحاجة التلاميذ الفعلية إليها.ولعل أحسن مثال على ذلك، أن قطاع التربية في ولاية سطيف( وهي ثاني ولاية في الجزائر من حيث عدد السكان) لا يتوفر ولو على قسم واحد للتعليم المكيف. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا هو: ما مصير المئات بل الآلاف من التلاميذ الذين هم في أمس الحاجة إلى هذا النوع من التعليم، سواء في ولاية سطيف أو في ولايات أخرى عبر الوطن؟
قائمة المراجع:
1 ـ هزار راتب أحمد وآخرون: المتقن (قاموس عربي-عربي)، دار الراتب الجامعية، بيروت، دون سنة، ص: 410.
2ـ وزارة التربية الوطنية: مراسلة إلى السادة مدراء التربية للولايات حول موضوع الرعاية التربوية للتلاميذ المتأخرين دراسيا بتاريخ: 09 ماي 2001.
3-كامل عمران: تأثير العنف المدرسي على شخصية التلميذ، أعمال الملتقى الدولي الأول حول العنف والمجتمع (مارس 2003م)، جامعة محمد خيضر- بسكرة- الجزائر، ص:132.
4-وزارة التربية الوطنية (مديرية التوجيه والاتصال): مجموعة النصوص الخاصة بتنظيم الحياة المدرسية، الجزائر، مارس 1993م، ص: 124.
5-سعيد إسماعيل عمر: في التربية والتحول الديمقراطي – دراسة تحليلية للتربية النقدية عند هنري جيرو – الدارالمصرية اللبنانية، القاهرة 2007، ص:55.
6- إسماعيل قيرة وعلي غربي: تحولات نهاية القرن: العولمة ومستقبل الجزائر، في مجلة العلوم الإنسانية والإجتماعية "التواصل" العدد:06، جامعة عنابة ، الجزائر،جوان 2000.
7- وزارة التربية الوطنية: مجموعة النصوص الخاصة بتنظيم الحياة المدرسية، مرجع سابق، ص: 101.
8- محمد بوقشور: النظام التعليمي والتنمية في الجزائر- دراسة سوسيولوجية- أطروحة دكتوراه في علم الاجتماع، قسم علم الاجتماع، جامعة الأخوة منوري- قسنطينة-09/2010م ص: 197.




وفاء

عدد المساهمات: 20
تاريخ التسجيل: 18/11/2008
العمر: 31

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى