المظهر العيادي للإحتراق النفسي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المظهر العيادي للإحتراق النفسي

مُساهمة  وفاء في الأحد نوفمبر 21, 2010 4:50 pm

المداخلة ل:أ.أمنة موقار-جامعة سطيف
مداخلة بعنوان : المظهر العيادي للإحتراق النفسي (la clinique du burnout )
الملخص:
يعتبر تناذر الإنهاك المهني أو كما يعرف بالإحتراق النفسي أحد أخطر نتائج الضغط النفسي المهني المزمن، وأصبح يوصف كحالة عيادية حديثة، إلا أنه لم يتم إدراجه ضمن الدليل التشخيصي للأمراض النفسية
(DSM-IV)، حيث قام كل من "C.Maslach" و "S.Jackson" بوصف أعراض هذا الإضطراب من خلال إدراجها ضمن ثلاث أبعاد أساسية وهي : الإنهاك الإنفعالي، اللاشخصنة، إنخفاض مستوى الإنجاز الشخصي. كما أن هذا التناذر لا يظهر بطريقة مفاجئة وإنما يكون ذلك عبر مراحل فقام كل من "J.Edewich" و "Brodscky" بوصف أربعة مراحل للوصول إلى حالة الإحتراق النفسي وهي :مرحلة الحماس، مرحلة الركود، مرحلة الإحباط، و أخيرا مرحلة الخمول، وللتكفل بالأشخاص الذين يعانون من هذا الإضطراب يعتمد المختصين (أطباء و أخصائيين نفسيين) على مجموعة من التقنيات العلاجية لمساندة هؤلاء الأشخاص.
الكلمات المفتاح : تناذر الإنهاك المهني "الإحتراق النفسي"، الأعراض، حالة عيادية، العلاج.
Résume
Le syndrome d'épuisement professionnel ou burnout, il est décrit comme une des conséquences les plus graves d'un stress professionnel chronique. Cette entité décrite et présentée comme état clinique nouveau qui ne fait pas partie des diagnostiques officiels du (DSM-IV) . "C.Maslach" et "S.Jackson" ont décrit ses symptômes en trois démensions : épuisement émotionnel; dépersonnalisation; et réduction de l'accomplissement personnel.
L'épuisement professionnel n'apparaît pas soudainement, "J.Edewich" et "Brodscky" décrivent quatre phases, aboutissant à la désillusion du burnout ; l'enthousiasme, la stagnation, la frustration, et l'apathie.
En effet des techniques thérapeutiques sont ainsi proposes pour soutenir les personnes en souffrances.
Mots-clés : syndrome d'épuisement professionnel " Burnout "; les symptômes; état clinique; traitement.
مـدخـل:
إن مجموع التغيرات الحاصلة في عالم الشغل خلال السنوات الأخيرة إضافة إلى التطور الإجتماعي، أدى إلى وضع مفاهيم جديدة للعمل، هذا الأخير الذي أصبح مصدرا للتوتر نظرا لإختلاف متطلباته وتزايدها إلى درجة فاقت إمكانيات الفرد الذي أصبح غير قادر على تلبيتها، هذا التغير في مفهوم العمل ومعناه بالنسبة للفرد تسبب في خلق فجوة كبيرة بين حاجات ورغبات الأفراد من جهة، والحقيقة التي يفرضها عالم الشغل من جهة أخرى فإنعكس سلبا على الصحة النفسية والعقلية للأفراد، ومن أهم مشاكل الصحة النفسية التي تفرض نفسها في يومنا هذا والتي تأتي كنتيجة للضغط والتوتر داخل الوسط المهني نتطرق لمفهوم تناذر الإحتراق النفسي (تناذر الإنهاك المهني) والذي يأتي على رأس قائمة الأمراض والإضطرابات المرتبطة بالعمل.
وهو أحد المفاهيم التي أسالت الكثير من الحبر في السنوات الأخيرة حيث كرست له العديد من الكتابات بهدف الوصول إلى وضع إطار نظري خاص به، فكان موضوعا جذب إهتمام العديد من العلوم مثل : علم النفس، علم الاجتماع...إلخ، إلا أن الدراسات والبحوث في هذا الموضوع كانت جد محدودة.
وفي طرحنا هذا نتناول أحد الجوانب المهمة المتعلقة بهذا التناذر،ألا وهو الجانب العيادي الذي عرف الكثير من النقاش ولازال محل أخذ ورد إلى يومنا هذا، نظرا للصعوبة التي يواجهها الباحثين والدارسين في هذا المجال والمتمثلة في عدم التوصل إلى تحديد الهوية العيادية (التصنيف والتشخيص) لهذا التناذر الشيء الذي جعله محل تساؤل. هل هو فعلا إضطراب نفسي حديث الظهور أم أنه أحد أشكال الإضطرابات النفسية الكلاسيكية التي تم تصنيفها سابقا ؟.
1. تعريف الإحـتراق النفسـي:
في سنة (1974) قام "Herbert J.Freudenberger" بإقتراح أول تعريف للإحتراق النفسي، ويقوم تعريفه في الأساس على التعريف الذي جاء في قاموس (Webster)، حيث قام كل من
(D.Bérard) و (A.Duquette) بتقديم الترجمة الآتية : « الإنهاك المهني هو حالة تظهر نتيجة إفراط الفرد في إستهلاكه لطاقته وقدراته الشيء الذي يؤدي به إلى الشعور بالفشل والإنهاك والضعف ».
ومتابعة لأعمال " Freudenberger" قام كتاب آخرين بالتركيز على جوانب أخرى لهذا المفهوم، ففي سنة (1976) قامت "Maslach" بوصف حالة الإنهاك المهني لدى الأفراد العاملين في ميدان الخدمة والمساعدة الإنسانية على أنه « عدم قدرة الفرد على التكيف مع مستوى الضغط الإنفعالي المتواصل الناتج عن العمل »، وفي سنة (1980) قام كل من "Freudenberger" و "Richelson" بالتركيز على حالة الإنهاك الذي يمس القدرات الداخلية للفرد ويؤدي إلى إنخفاض طاقته وحيويته وكذا قدرته الوظيفية نتيجة بذله لمجهود متواصل يصبوا من خلاله إلى تحقيق أهداف صعبة المنال في مجال عمله وخاصة إذا ما تعلق بالمهن والأعمال التي تتميز بتقديم المساعدة للآخرين.
(Canoui. P, Mauranges. A, 2008, p. 10)
2. أهم المصطلحات المستعملة لوصف الإحتراق النفسي:
لقد تم إطلاق العديد من التسميات على ظاهرة الإنهاك في ميدان العمل، كما تنوعت هذه التسميات والمصطلحات بإختلاف لغة وثقافة الدول حول العالم، و فيما يلي سنحاول التعرض للتسميات الأكثر شيوعيا :
1- تناذر الإحتـراق النفسي (Burnout syndrome):
إن المصطلح الإنجليزي " To Burnout " يحمل عدة معاني مثل:الفشل، الإنهاك والإجهاد نتيجة إستهلاك طاقة كبيرة، كما يعني الإحتراق التام للمادة إلى غاية الاختفاء الكلي للرماد المحترق نتيجة لشدة الإحتراق، أما الباحث "canoui" فشبه هذا المصطلح بما يحدث في ميدان صناعة الآلات الجوية الفضائية،حيث يشير الـ (Burnout) إلى حالة إحتراق الكربون عند إنطلاق الصاروخ فتصدر حرارة كبيرة إلى درجة أنها تهدد بتحطم الآلة المصنعة أما، في ميدان العمل فيطلق هذا المصطلح على العامل الذي يستهلك كل طاقته إلى درجة الإنفجار مثل ما يحدث في حالة الآلات الصناعية.
2- الـ "كاروشي" (Karoshi):
هو تعبير ياباني الأصل يطلق لوصف هذا التناذر ويعطيه بعد ومعنى أكثر عنف وخطورة، فكلمة "Karo" تعني الموت أما "Shi" فتعني التعب في العمل كما يعرف "تناذر الإنهاك المهني" في اللغة اليابانية على أنه حالة من الإجهاد التي بمقدورها أن تؤدي إلى موت الفرد، فضغط العمل المتزايد وتكدسه (la charge) إضافة إلى الضغط النفسي المهني هي أسباب من شأنها أن تؤدي إلى الموت المفاجئ للعامل نتيجة إصابته بأمراض قلبية كإرتفاع الضغط الشرياني الخطير، وحوادث السكتة الوعائية الدماغية.
3- تناذر الإنهاك المهني (Syndrome d’épuisement professionnel) :
"Syndrome d’épuisement professionnel" هو مصطلح فرنسي ذو معنى واسع ويستعمل لوصف مختلف الآثار السيئة للعمل على حياة الفرد، وإضافة لهذا المصطلح هناك إستعمال لمصطلحات أخرى من مثل "usure au travail" و "usure professionnel"، حيث تركز هذه المصطلحات في معناها على كيفية وآلية التطور التدريجي لهذا التناذر.(Chanlin-chanteau. S, 2006, p.14)
3. مراحـل الإحتراق النفسـي:
قام كل من "J.Edelwich" و "A.Brodsky" بوصف أربع مراحل متتابعة تتطور بشكل تدريجي لتنتهي في الأخير بظهور حالة الإحتراق النفسي وهي:
1- مرحلة الحماس (L’enthousiasme) :
حيث يبدأ الإحتراق النفسي بولوج الفرد لميدان العمل بنوع من الحماس والمثالية المبالغ فيها، مع آمال كبيرة غير واقعية ويكون الفرد مشحون بطاقة هائلة، في هذه المرحلة يحتل العمل مكانة محورية في حياة الفرد، فيرى أنه سيحقق كل رغباته وآماله، حيث يبذل طاقة كبيرة بطريقة مفرطة علما أن هذه الطاقة عادة ما تكون دون فائدة وغير مجدية.
وباستمرار هذه الوضعية غير المتوازنة بين ما يقدمه الفرد من مجهود وطاقة وما ينجر عنه من نتائج غير مرضية وغير مرغوبة، سوف يدخل الفرد في حلقة مفرغة، فمن جهة يجد نفسه يمارس مهنة يعطيها مفهوم مثالي ويتوقع أن تحقق حاجاته وأهدافه الشخصية، ومن جهة أخرى نجد حقيقة عدم رضا الفرد عن حياته الشخصية.
إذا عدم الرضا عن الحياة الشخصية يدفع الفرد إلى محاولة التعويض عن ذلك بالانهماك في العمل، فيميل إلى تمجيد مفهوم العمل وإعطائه مفهوم إيجابي مبالغ فيه، وكلما زاد هذا الارتباط والالتزام المتزايد نحو العمل كلما دفع بالفرد إلى إهمال حياته الشخصية وبالتالي الوصول إلى درجة الفشل والإخفاق والقضاء على حياته الشخصية، حيث يصبح العمل بمثابة الهم الوحيد الذي يشغل الشخص لما ينتظره من إشباعات، الشيء الذي يدفع الفرد إلى أن يجد نفسه في حالة هشاشة.
2- مرحلة الركود: (La Stagnation) :
بعد المرحلة السابقة يدخل الفرد مباشرة في حالة ركود، حيث تختفي كل آماله المرتبطة بالعمل، لأن هذا الأخير لم يكن على قدر توقعات الفرد الذي يواصل ممارسة مهنته إلا أن هذه المهنة لم تعد تحقق التعويض عن الحياة الشخصية.
3- مرحلة الإحباط: (La Frustration):
في هذه المرحلة يدخل الفرد في حالة إحباط، فيبدأ بالتساؤل حول مدى فعاليته المهنية وحول قيمة المهنة التي يقوم بها، كما يشعر أن حياته المهنية وصلت إلى طريق مسدود، وفي حال استمرار هذه الوضعية من عدم الرضا والإشباع سيكون هناك احتمال لعدم قدرة الفرد على الاستمرار في ممارسة مهنته.
•لا يمكن التمييز بين حالة الركود وحالة الإحباط بشكل واضح ، فبالرغم من أن الإحتراق النفسي يحدث على أربع مراحل، إلا أنه من المستحيل التمييز وبشكل واضح حدود المرور من مرحلة إلى أخرى، فالاحتراق النفسي عبارة عن سيرورة لا يمكن تقسيمها إلى مقاطع زمنية محددة.
•أما عن حالة الإحباط هذه فمن الممكن أن يعيشها الفرد بثلاث طرق:
-إما أن يجعل من حالة الإحباط كمصدر لطاقة إيجابية تدفعه للانطلاق من جديد.
-أو أن يكون هذا الإحباط بمثابة منبع لطاقة سلبية.
-وإما أن يدفعه إلى الإنعزال وترك مهنته.
فللإحباط دور كبير ومهم في تطور حالة الإحتراق النفسي، فالشخص الذي يمر بمرحلة الإحباط يكون مهدد بالدخول في المرحلة الأخيرة وهي حالة الخمول.
4- مرحلة الخمول (L’Apathie):
خلال هذه المرحلة يدخل الفرد في حالة إحباط مزمن اتجاه عمله إضافة إلى شعوره بالملل والضجر، وبالتدريج يحدث نوع من الانفصال الانفعالي عن العمل، فيصبح الفرد يقدم أقل مجهود ممكن في عمله بهدف الحفاظ على عمله نظرا لأنه في حاجة له لتأمين حياته، كما يحاول حماية نفسه من مختلف الانتقادات التي بإمكانها أن تهدد وضعيته الحالية، وإتباع الفرد لهذه الطريقة في العمل تجعلنا نتصور بأنها قادرة على أن تعوضه عن شعوره بعدم الارتياح، لكنها في واقع الأمر ليست وضعية ملائمة للفرد.
إن استقرار هذه المرحلة لدى الفرد يأخذ وقتا طويلا، كما أن اختفائها والخروج منها كذلك يتطلب الكثير من الوقت، تعد مرحلة الخمول أصعب المراحل سابقة الذكر لأنها تتجاوز احتمال الشخص.
(Chanlin-chanteau. S, 2006, p.17-18)
4. المظهر العيـادي للاحتراق النفسـي :
يحتل الضغط النفسي مكانة مركزية في حالة الإحتراق النفسي التي تدخل ضمن دراسات علم النفس المرضي للعمل، إلا أنه يبدو أن لهذا التناذر خصائص مميزة تجعله يتجاوز ظاهرة الضغط النفسي من حيث شدتها، حيث ظهر " تناذر الإنهاك المهني" أو ما يعرف " بتناذر الإحتراق النفسي" من خلال إهتمام الباحثين بموضوع معاناة الفرد داخل ميدان العمل، فأصبح يحتل مكانة واهتمام خاص في مجال الصحة.(Canoui. P, Mauranges. A, 2008, p. 10)
فالمؤشرات العيادية لهذا التناذر تعد ذات خصوصية مع العلم أن هناك عناصر وفروق قليلة فقط تميزها عن الأعراض المرضية لحالة الضغط النفسي، حيث أن قراءتنا للجدول العيادي " لتناذر الإحتراق النفسي" من الممكن أن تقودنا وبسهولة إلى التفكير في اضطرابات أخرى مثل حالات القلق (Etat anxieuse)، إضطراب قلق إكتئابي (Trouble anxio-depressif)، أو حالة دخول في إكتئاب (Depressif debutant) بمعنى أن قراءتنا لأعراض هذا التناذر من شأنها أن تجعلنا نفكر في مجموعة من الإضطرابات الشبه عصابية (Pseudo-névrotique)، ومن هنا تظهر أهمية أعمال H.Freudenberger :
- حيث جذب الانتباه إلى مصطلح الاحتراق النفسي ووصفه كحالة عيادية لا يمكن وصفها أو التعبير عنها بأي من المصطلحات أو الحالات النفسية المرضية الكلاسيكية المعروفة.
- كما اعتبر أن هذا التناذر يمس فئة الأشخاص الذين يشتغلون بمهن ذات طابع إنساني وتقوم على تقديم المساعدة للآخرين.
- وأخيرا أظهر أن هذا التناذر هو عبارة عن إضطراب نفسي يتطور بشكل تدريجي قبل ظهوره في شكله المعروف بالاحتراق النفسي. (Ibid., p. 13-14)
1.4. أعـراض الاحتراق النفسـي:
أ. الأعـراض المميـزة:
قام كل من "C.Maslach" و "S.Jackson" بوصف أعراض هذا التناذر وتوضيحه من خلال تقسيمه إلى ثلاث أبعاد أساسية، تشكل عند اجتماعها ما يعرف "بالاحتراق النفسي" أو "الإنهاك المهني" وكانت هذه الأبعاد كما يلي:
1- الإنهاك الانفعالي.
2- صعوبات علائقية.
3- الشعور بالفشل المهني و إنخفاظ الإنجاز الشخصي.(Delbrouck. M, 2003, p. 40)
1- الإنهـاك الإنفـعالي :
يعد الإنهاك الانفعالي ذو تظاهرات جسدية أكثر منه نفسية، فيشعر الفرد داخليا بنوع من الإنهاك والإجهاد وكأنه أصبح فارغا من الداخل، إضافة إلى شعوره بتعب وجداني اتجاه العمل مع صعوبة في تبادل الانفعالات مع الآخرين، وكأن الفرد وصل إلى درجة التشبع الانفعالي ولم يعد بمقدوره استقبال انفعالات جديدة، مع الشعور بتعب شديد غير معتاد لا يمكن التخلص منه بمجرد أخذ فترة راحة.
أما على المستوى الخارجي فيظهر على الفرد مجموعة من الإنفجارات الانفعالية مثل : أزمات البكاء أو الغضب مع رفضه لإنجاز المهام المطلوبة منه في عمله.
فالإنهاك الانفعالي غالبا ما يتضاعف ويزيد تأثيره نتيجة عجز الفرد عن التعبير عن انفعالاته لاعتقاده بأنه نوع من الضعف، الشيء الذي يؤدي إلى ظهور هذه الانفعالات في شكل تعابير نفسية و/أو سلوكية متنوعة.
وخلافا لما سبق قوله فالإنهاك الانفعالي من الممكن أن يظهر في شكل برود مع إفراط في التحكم في الانفعالات، كما تتميز حالة الإنهاك الانفعالي عادة بإيجاد الفرد لصعوبة في بناء علاقات ناجحة مع الآخرين حيث أنها تخلو من الجانب الإنساني.
2- صـعوبات علائقيـة :
إن مواجهة صعوبات في العلاقة مع الآخرين يعد النواة الأساسية لظهور هذا التناذر، حيث يتميز هذا البعد ببناء الفرد لعلاقات جافة تتميز باللامبالاة مع ميله للإبتعاد عن الأشخاص وفقر في إستعماله للغة حيث تصبح لغته محدودة في بعض الإشارات، كما يتميز الفرد في هذه المرحلة بسوء المزاج الذي يستمر بشكل دائم.
ولتفسير هذه التصرفات حسب التوجه التحليلي : نجد أن هذه الحالة تحدث بشكل تدريجي وبطيء، فإبتعاد الفرد عن الآخرين يكون أحيانا نتيجة للإنهاك الانفعالي حيث تعتبر هذه المحاولة للإبتعاد كحماية لذاته ولكليته النفسية وبذلك تكون هذه الطريقة الوحيدة التي تسمح للفرد بالحفاظ على علاقاته داخل العمل دون توطيدها، إلا أن هذا يجعل الفرد يشعر بالألم والمعاناة، حيث يعتبر عدم قدرته على الاقتراب من الآخرين والمحافظة على علاقات جيدة معهم كلها مؤشرات عن فشله الشخصي والذي يظهر جليا في البعد الثالث والأخير.
3- إنخـفاظ الإنجـاز الشخصـي :
يأتي هذا البعد كنتيجة للبعدين السابقين، حيث يعيشه الفرد بطريقة مؤلمة نتيجة شعوره بعدم فعاليته وأنه لم يعد قادرا على تقديم المساعدة للآخرين إضافة إلى شعوره بالإحباط لاعتقاده بأنه أصبح عاجزا على تحقيق إنجازات في المستوى، وغير قادر على الحفاظ على علاقاته في العمل وعلى مستواه المهني، الشيء الذي يدفعه إلى الشك في نفسه وفي قدراته مما يؤدي به إلى سوء تقدير الذات والشعور بالذنب وعدم التحفز.
كل هذه الصعوبات الني يعيشها الفرد تؤدي إلى مجموعة متنوعة ومتغيرة من المشاكل التي تظهر لاحقا مثل : التغيب عن العمل، ترك العمل، فقدان الصرامة والجدية في العمل، إضافة إلى القيام بأخطاء مهنية، حيث نلاحظ عند أغلبية الأفراد فقدان العمل لمعناه ومكانته بالنسبة لهم مع إيجاد صعوبة في المداومة اليومية لهذا العمل، فيميل سلوك الفرد إلى التهرب من العمل، وبإمكاننا ملاحظة تكرار هذه التصرفات لدى بعض الفئات المعينة من الأشخاص.
(Canoui. P, Mauranges. A, 2008, p. 14-15-16)
ب. الأعـراض غير الممـيزة:
إلى جانب الأبعاد الثلاثة المميزة والخاصة بالاحتراق النفسي، نجد هناك عدة أعراض أخرى غير مميزة، تجتمع في أربع فئات، ندرجها التالي:
*المؤشرات الجسمية:
- التعب المزمن
- اضطرابات النوم
- الآلام العضلية
- اضطرابات هضمية (فقدان الشهية، الغثيان، التهابات المعدة أو قرحة المعدة)
- الشقيقة
- ارتفاع الضغط الشرياني
- اختلال التوازن الهرموني
*المؤشرات الانفعالية:
- الحزن
- اللامبالات الوجدانية
- سرعة الغضب
- القلق
- مشاعر العجز والذنب
- مشاعر الفشل
*المؤشرات المعرفية:
- صعوبات في التركيز
-الصلابة وعدم المرونة
- مقاومة التغيير
- كثرة الحذر
- تكرار اجترار الفرد للأفكار المقلقة
*المؤشرات السلوكية:
- التهرب من العمل
- التأخر المتكرر في الالتحاق بمنصب العمل
- نقص الاتصال مع الآخرين (الزملاء، العملاء...الخ)
- التصرف بنوع من الوقاحة
- غياب المرونة في التعامل مع الآخرين
- سلوك الإدمان
(Chanlin-chanteau. S, 2006, p.16)
2.4. التشخيص الفارقي للاحتراق النفسي:
هناك دائما احتمال وقوع التباس في التعرف على تناذر الإنهاك المهني، وإمكانية الخلط بينه وبين اضطرابات نفسية أخرى، كالاكتئاب والقلق...الخ.
فهذه الاضطرابات من شأنها أن تأخذ شكلا عياديا مشابه لحالة الإحتراق النفسي. وبالتالي عند محاولة تشخيص تناذر الإنهاك المهني يتوجب الأخذ بعين الاعتبار كل الأبعاد بالإضافة إلى مجموع الأعراض الجسمية التي عادة ما تظهر في هذا التناذر.
حيث أنه غالبا ما يشكل " تناذر التعب المزمن" بداية لظهور الإحتراق النفسي، كما أن مجموع التظاهرات الجسمية لحالات ألام الظهر يمكنها هي الأخرى أن تكون مؤشرات أولية تسبق ظهور حالة الإحتراق النفسي.
(Delbrouck. M, 2003, p. 123-124)
أ. الاحتراق النفـسي و الاكتئـاب:
بقدر التقارب الذي يشير إليه العديد من الكتاب بين كل من مصطلح الضغط النفسي والإحتراق النفسي، هناك كتاب آخرين يصرون على التقارب الكبير والذي يمكن أن يصل إلى درجة الخلط بين كل من مفهوم الإحتراق النفسي والاكتئاب.
ففي سنة (1964) قام "Freudenberger" بوصف حالة الإحتراق النفسي قائلا " أن الشخص المصاب بهذه الحالة يبدوا وكأنه يعاني من حالة اكتئاب، إلا أنه تدارك ذلك في سنة (1980) حيث أكد على أن حالة الإحتراق النفسي تختلف كليا عن اضطرابات الاكتئاب، فهي عادة ما تكون محدودة في أحد ميادين الحياة وهو الميدان المهني (وذلك نظرا لأن مؤشراتها وأعراضها تختفي ولا تظهر على الفرد عندما يكون خارج ميدان عمله)، إضافة إلى عدم شعور الفرد بمشاعر الذنب والتي عادة ما تكون مرافقة لاضطراب الاكتئاب وإنما نلاحظ شعوره بالغضب والسخط، إلا أنه بالإمكان التعقيب على نقطتين مهمتين حول ما جاء به "Freudenberger" :
1- الأولى: هي أن مجمل الملاحظات التي أشار إليها "Freudenberger" تكون مقبولة في حالة ما إذا كان الإحتراق النفسي في بدايته (بداية ظهوره)، لكن وبمرور الوقت هذا التناذر سيواصل سيرورته نحو التطور إلى أن يصل إلى شكله النهائي الذي سيؤثر عندها على كل ميادين حياة الفرد ويكون ذلك بظهور أعراض جد مشابهة لأعراض الاكتئاب (العزلة، اللامبالاة، اضطرابات النوم، إنخفاظ تقدير الذات، مع محاولات الانتحار عند بعض الحالات).
2- ثانيا: فيما يخص غياب مشاعر الذنب، فإننا لا يمكن أن نركز كثيرا على هذا المعيار، فغيابه لا يعبر بالضرورة عن إمكانية استبعاد الإصابة باضطراب الاكتئاب، هذا لأنه لا يعد معيار أساسي في تشخيص حالة الاكتئاب، وبالتالي فإن التمييز بين كل من الإحتراق النفسي والاكتئاب هو أمر يصعب تحقيقه.
(Franceschi-Chaix. C, 1993, p. 37)
إذا فيما يخص حالة الإنهاك المهني نجد أنها تحمل في محتوى أعراضها بعض المؤشرات الاكتئابية، إضافة إلى إمكانية ظهور بعض المؤشرات التي تأخذ شكل اضطرابات جسمية، هذه الأخيرة التي بإمكاننا ملاحظتها في حالات الاكتئاب، هذا التشابه من شانه أن يوجهنا إلى وضع تشخيص لحالة "اكتئاب مقنع" أو "اضطراب الاكتئاب"، إضافة إلى ملاحظتنا أن السلالم المخصصة لقياس وتقييم الإحتراق النفسي تحتوي على بعض البنود التي تنتمي إلى سلالم ومقاييس الاكتئاب، ولهذه الأسباب لم يتم تصنيف الإحتراق النفسي كهوية عيادية بالرغم من أنه يحمل مجموعة من الخصائص والمؤشرات العيادية المميزة له.
(Pittaco(legay). M, 2009, p. 20)
حيث يعتبر بعض الكتاب والباحثين أن الإحتراق النفسي هو أحد الأشكال العيادية للاكتئاب، فكل من الإحتراق النفسي والاكتئاب يشتركان في عدة أوجه عيادية، خاصة فيما يتعلق بالأعراض غير المميزة للاحتراق النفسي (والتي سبق وصفها) : اضطرابات سيكوسوماتية (اضطرابات هضمية، آلام عضلية)، اضطرابات النوم، الإدمان (الكحول، المخدرات)...الخ. حيث أظهرت مجموعة من الدراسات أن الإحتراق النفسي غالبا ما يكون مترافق مع اضطرابات الاكتئاب، كما أنه من الممكن أن يسبق أو يعقب ظهور تناذر الاكتئاب.
(Chanlin-chanteau. S, 2006, p.18)
أما عن أوجه التشابه التي تدفع إلى الوقوع في نوع من اللبس بين كل من الإحتراق النفسي والاكتئاب، نذكر :
- وجود مشاعر اكتئابية في حالة الإنهاك الانفعالي، وتظهر بالخصوص في الشعور بإنخفاظ الإنجاز الشخصي.
- ظهور الإضطرابات الجسمية عند الفرد من شأنه أن يدفعنا إلى وضع تشخيص لحالة اكتئاب مقنع أو اكتئاب أساسي.
- كما أظهر "Maier" سنة (1984) التشابه الكبير بين سلالم قياس الإحتراق النفسي وسلالم قياس الاكتئاب.
كل هذه الأسباب دفعت ببعض المختصين في الطب النفسي إلى الاختلاف مع من سبقهم بقولهم أن التعامل مع الإحتراق النفسي كشكل عيادي للاكتئاب وأن كل من الإحتراق النفسي والضغط النفسي المزمن بإمكانهما تشكيل قاعدة حقيقية مهيئة لظهور الاكتئاب، هو إثبات على ضرورة ووجوب التمييز بينهما كحالتين مختلفتين نظرا لأن أحداهما من الممكن أن تسبق ظهور الأخرى أو تعقبها فهذا يعني أنهما لا تعبران عن نفس الحالة.
(Canoui. P, Mauranges. A, 2008, p. 27-28)
فبالنسبة لهؤلاء الباحثين لا يجب الخلط بين الإحتراق النفسي والاكتئاب، فحسبهم هناك عناصر ومؤشرات أساسية تسمح بوضع التشخيص الفارقي بين الحالتين :
- فالاحتراق النفسي يظهر نتيجة ضغط نفسي انفعالي مزمن نتيجة ظروف وعوامل مهنية خارجية، أما الاكتئاب فله أصول داخلية بالدرجة الأولى إضافة إلى عوامل خارجية مفجرة لظهوره.
- الإحتراق النفسي يتطور بشكل تدريجي ولا يتميز بتبدلات المزاج كما هو الحال بالنسبة للاكتئاب، مع العلم أن الإحتراق النفسي يتطور في مدة تتراوح بين السنة وخمس سنوات.
- التظاهرات المعرفية السلبية للاحتراق النفسي تكون عموما محدودة في مجال العمل، بينما في حالة الاكتئاب فهناك نوع من التثبيط (الكف) للنشاط وللتفكير والذي يمتد تأثيره على الحياة المهنية والشخصية على حد سواء.
- إن محاولة الفرد الابتعاد عن عمله (كأخذ عطلات مرضية) من شأنه أن يخفف من شدة حالة الإحتراق النفسي، إلا أن الأمر لا ينطبق مع إضطراب الاكتئاب حيث لا تفيد العطلات وفترات الراحة في التقليل من حدته.
- إن تناول الشخص للأدوية النفسية والعلاجات الدوائية الأخرى من شأنه أن يخفف من حالة الاكتئاب، بعكس حالة الإحتراق النفسي، حيث غالبا ما تكون هذه الأدوية قليلة الفعالية.
(Chanlin-chanteau. S, 2006, p.18-19)
ب. الاحتراق النفسـي و اضطرابات القلـق:
إن كل من القلق، الضغط النفسي، والإحتراق النفسي عبارة عن حالات متشابهة وقريبة من بعضها البعض، إلى درجة إنه غالبا ما تستعمل هذه الكلمات (قلق، ضغط، احتراق نفسي) لوصف نفس الحالة النفسية، إلا أنه من الأكيد وجود اختلاف فيما بينها بقدر التشابه الذي أشرنا إليه.
فاضطرابات القلق معرفة كأحد الاضطرابات النفسية، لها أعراضها وتقنياتها العلاجية، وبالرغم من اشتراكها مع الضغط النفسي في بعض العناصر والمناطق إلا أنه يجب التأكيد على أن الضغط النفسي لا يعد اضطرابا نفسيا، فالآليات الفيزيولوجية والكيميائية الحيوية المعروفة لحد الآن والمتعلقة بحالة الضغط النفسي تختلف عن آليات القلق.
وأما بالنسبة للاحتراق النفسي فمن شأنه أن يشكل قاعدة مهيئة لظهور اضطراب القلق مثل ما هو الحال بالنسبة للاكتئاب إلا أن الإحتراق النفسي يعتبر في حد ذاته بمثابة سيرورة نفسية أكثر منه إضطراب، وباعتباره كرد فعل لحالة الضغط النفسي المزمن هذا لا يعني بالضرورة تطوره إلى اضطراب قلق، وإنما يتوقف هذا على الأفراد ويختلف باختلاف قدرتهم على التكيف مع الوضعيات التي يواجهونها.
جـ. الاحتراق النفـسي و الجسـدنة (La Somatisation):
تحتل الجسدنة مكانة خاصة ضمن المؤشرات العيادية لهذا التناذر، حيث أن تكرار ظهورها يكون جد مرتفع عند الأفراد الذين يعانون من حالة الإنهاك (L’épuisement)، إلا أن مؤشرات الجسدنة ليست خاصة بحالة الإحتراق النفسي ولا مميزة لها، فمن الممكن أن تكون حالة الإنهاك المهني خالية من مؤشرات الجسدنة وأعراضها، إلا أنه من المفيد معرفة أن إضرابات الجسدنة كثيرة التكرار والظهور في حالات الإحتراق النفسي.
فالجسدنة هي مجموع الإضطرابات التي تظهر في شكل أعراض جسمية متنوعة ومتغيرة بمرور الوقت، يعاني منها الفرد لعدة سنوات، حيث أن كل الفحوص و الكشوف الطبية تشير إلى نتائج سلبية بمعنى غياب أي إصابة أو تلف جسدي حقيقي، كما أن مجموع أعراضها من الممكن أن ترتبط بأي جزء أو عضو من الجسم، وهي عبارة عن أعراض خارجة عن سيطرة الفرد فأسبابها تعد لا شعورية بالدرجة الأولى، حيث نلاحظ غياب أي إصابة جسدية فعلية بعكس الإضطرابات السيكوسوماتية التي يكون فيها الإضطراب الجسدي متوافق مع تلف حقيقي يتطور ويتأثر بالعوامل النفسية.
كما نشير إلى أن حالة الإحتراق النفسي تختلف عن حالة تناذر توهم المرض (L’hypochondrie) حيث أن الفرد لا يعاني من مخاوف الإصابة بالمرض.
وتختلف عن حالة تناذر التحويل (Syndrome de conversion) ذلك لأن الفرد لا يعاني من إصابات في الوظيفة الجسدية. وبهذا نقول أن المؤشرات أو الأعراض الجسمية لا ترتبط فقط باضطرابات القلق والاكتئاب وإنما من الممكن أن تظهر في اضطرابات أخرى.
(Canoui. P, Mauranges. A, 2008, p. 28-30)
د. الاحتراق النفسـي والضغط النفسي:
إن حديثنا عن حالة الإحتراق النفسي غالبا ما يقودنا إلى الرجوع إلى حالة الضغط النفسي، فهما مفهومين يصعب التفريق بينهما، فبالرجوع إلى العديد من التعاريف نجد أن الإحتراق النفسي يعتبر كاستجابة لحالة ضغط نفسي مزمن، لكن ما هي العلاقة بينهما ؟ هل هناك استمرارية بين الظاهرتين أو أنه يجب التمييز
بينهما ؟
النقاط المشتركة بينهما :
في الغالب نجد أن الأسباب المؤدية إلى الإحتراق النفسي هي نفسها المتسببة في الضغط النفسي، كما أن التوتر الذي يشعر به الفرد في الحالتين (الضغط النفسي و الإحتراق النفسي) يأتي نتيجة لعجز الفرد عن الاستجابة لمتطلبات وضعية معينة وعدم قدرته على تلبيتها.
نقاط الاختلاف :
يرتبط ظهور الإحتراق النفسي بمحيط العمل، بينما الضغط النفسي فيعود إلى التوتر الذي يشعر به الفرد في مختلف ميادين الحياة.
كما أن الإحتراق النفسي لا ينحصر في التوتر الذي يشعر به الفرد نتيجة لحالة الضغط النفسي (الإنهاك الانفعالي) فقط، لكنه يرتبط أيضا بالعلاقات بين الأشخاص في العمل وكذلك بالتقييم الذاتي للعمل، فهو يتجاوز مفهوم الضغط النفسي ولا يرتبط به فقط وإنما يعود إلى عوامل أخرى مختلفة.
إضافة إلى أن الشعور بالضغط النفسي يرتبط حدوثه بمعايشة وضعيات حادة، بينما ينتج الإحتراق النفسي عن انفجار لحالة ضغط نفسي مزمن كما أنه (الإحتراق النفسي) يتكون ويستقر حسب سيرورة تدريجية تنحصر مدتها من السنة إلى خمسة سنوات (مرحلة تشكل الإحتراق النفسي).
هـ. الاحتراق النفسي و الإعياء النفسي (Neurasthénie) :
في سنة (1868) قام الأمريكي "George Beard" و هو طبيب مختص في علم الأعصاب بوصف ظاهرة جديدة تعرف بـ "Neurasthénie" وهي عبارة عن خلل عصبي يحدث نتيجة ضغوط ناتجة عن الحياة العصرية حيث يصيب بالدرجة الأولى الأشخاص الذين يعملون لساعات طويلة دون الاستفادة من فترات راحة و يكون هذا الاضطراب أكثر انتشارا لدى الأشخاص الذين ينتمون للطبقات الميسورة، و يتميز بظهور عدة أعراض نفسية و جسمية غير مميزة.
إذا نلاحظ أن هذا الاضطراب يشابه كثيرا حالة الإحتراق النفسي إلا أن هذا الأخير لا يعتبر إظطرابا عصبيا.
غير أن مفهوم "Neurasthénie" تغير عبر التاريخ، وأصبح لا ينتمي لميدان علم الأعصاب وإنما انضم إلى علم الأمراض العقلية والنفسية، فنجده في يومنا هذا مدرج في تصنيفات الأمراض العقلية والنفسية وبالضبط في التصنيف الدولي للأمراض ((CIM-10 حيث يظهر ضمن الإظطرابات الجسمية
(Troubles Somatoformes) تحت الرمز (F45) أو ضمن إظطرابات عصابية أخرى تحت اسم تناذر الإعياء ورمزه (F48).
لكننا اليوم نستطيع أن نميزه و بشكل أساسي عن الإحتراق النفسي على اعتبار إنه تابع للتشخيصات السيكاترية وأن ظهوره غير مرتبط بميدان العمل. (Mangen. M, 2007, p. 43-44-45)
5. إشكالية تصنيف وتشخيص الإحتراق النفسي:
إن الإحتراق النفسي لم يشخص بشكل رسمي نظرا لعدم إدراجه ضمن التصنيفات الدولية للأمراض العقلية والنفسية.
حيث إعتبره بعض الكتاب على أنه إضطراب في التكيف، هذا الأخير المدرج في (DSM-IV-TR) (الجمعية الأمريكية للأمراض العقلية و النفسية 1994) وهو عبارة عن رد فعل غير متكيف تتسبب فيه عدة عوامل ضاغطة نفسية-اجتماعية، ويظهر رد الفعل في شكل إستجابات تدوم لمدة ثلاثة أشهر تظهر مباشرة بعد تعرض الفرد للعوامل الضاغطة فيصاب عندها بإضطراب في الوظيفة الإجتماعية أو المهنية (المدرسية) و / أو يصبح يعيش معاناة كبيرة، مع الأخذ بعين الإعتبار أن ردود أفعال الفرد هذه لا تتوافق مع العوامل الضاغطة التي تعرض لها بمعنى أن تكون إستجاباته مبالغ فيها.
غير أن هناك كتاب آخرين ينظرون للإحتراق النفسي على أنه شكل من أشكال الإعياء النفسي
(Neurasthénie) و ذلك بالإستناد إلى التصنيف الدولي للأمراض (CIM-10) حيث يندرج تحت الرمز (F48.0). (10.10.2010, p.14 www.souffrance-dusoignant.fr, )
إن عدم إدراج حالة الإحتراق النفسي ضمن الدليل الإحصائي التشخيصي للأمراض النفسية والعقلية (DSM-IV) المنشور من طرف الجمعية الأمريكية للأمراض النفسية (سنة 1994) والذي يعد بمثابة مرجع للإضطرابات النفسية والعقلية جعل الأطباء يبتعدون عن تشخيص هذا التناذر على أنه حالة إحتراق نفسي، وإنما يعمدون إلى إقتراح تشخيص لحالات من مثل الإكتئاب، القلق أو إضطرابات التكيف، فالمفهوم العيادي للإحتراق النفسي مازال مبهما وغير محدد نظرا لعدم الإتفاق حول طرق قياسه وتقييمه.
ولقياس أبعاد الإحتراق النفسي قام كل من "Maslach" و " "Jacksonسنة (1981) بتصميم أداة أطلقا عليها إسم " قائمة الإحتراق النفسي لـ ماسلاش" Maslach Burnout Inventry )MBI) والتي تستعمل اليوم بشكل واسع في مختلف البحوث والدراسات، حيث تسمح بتصنيف الأشخاص والتعرف على المستوى الذي بلغه الفرد في حال الإحتراق النفسي، إلا أنه لا يوجد أي أدوات تساعدنا على تحديد حالة الإحتراق وتقييمها في شكلها العيادي.
(Coté. L, Edwards. H, Benoit. N, 2005, p. 839)
وبالتالي يظهر أنه من غير المفيد محاولة إعتبار تناذر الإنهاك المهني كفئة تشخيصية جديدة تنتمي للإضطرابات النفسية، فالدليل الإحصائي التشخيصي للأمراض النفسية والعقلية (DSM-IV) لم يتناول هذا التناذر بشكل رسمي ضمن تصنيفاته، حيث كتب "H.Grabtham" سنة (1986) قائلا «...عند الحديث والتعامل مع حالة الإحتراق النفسي فإننا سنواجه حقيقتين مختلفتين :
- فإما أن يتم تشخيص هذا التناذر عن طريق الخطأ فنعتبر أنه حالة إحتراق نفسي في حين أنه من الممكن أن تكون الحالة المقدمة أمامنا تعبر عن إضطراب نفسي آخر (مثل تناذر القلق، تناذر قلق-إكتئابي، تناذر إكتئابي، إضطرابات الشخصية...) تعرفنا عليه يمكننا من توفير العلاج والكفالة المناسبة له.
- وإما أن يكون تشخيص حالة الإحتراق النفسي صحيح، إلا أننا سنجد صعوبة في تقديم التدخل العلاجي الملائم نظرا لنقص الوسائل والطرق العلاجية الخاصة به، وبالتالي نلاحظ أن هناك الكثير من أعراض الإحتراق النفسي التي تدفعنا في نفس الوقت إلى إقتراح تشخيص أخر مختلف نظرا لأن هذا التناذر لا ينتمي لفئة تشخيصية معينة، لكن إذا توجب الأمر إدراج حالة الإحتراق النفسي ضمن فئة تشخيصية معينة فإننا نفضل إعتباره أحد إضطرابات التكيف، ومنه يكون من الممكن التعامل مع هذا التناذر كشكل عيادي لإضطراب التكيف.
فتناذر الإنهاك المهني لا يعتبر كفئة تشخيصية ولكن كتشخيص لحالة عيادية بهدف تفريقها عن الإضطرابات الأخرى وإستبعاد الحالات المشابهة لها عياديا، فهو بمثابة سيرورة تتطلب الوصف والتحديد بشكل واضح، عندها فقط يكون بإمكاننا التعرف على الإضطراب الذي يختفي وراء هذه السيرورة، فإما أن يكون إضطراب نفسي مرضي أو أنه عبارة عن إضطراب تكيف يعود إلى عوامل متعددة: شخصية، بين شخصية و/أو تنظيمية (مرتبطة ببيئة العمل).
(Canoui. P, Mauranges. A, 2008, p. 30-31)
6. الوقاية و العلاج :
للوقاية من الإحترق النفسي وعلاجه أو التقليل من أثاره السلبية على المنظمة وعلى الفرد يمكن الإعتماد على عدة طرق ونشاطات تنقسم إلى جزأين : الأول هو إتباع مجموعة نشاطات وتقنيات وقائية أو علاجية تتمركز في أثرها حول محيط العمل، أما الجزء الثاني فهو مجموع النشاطات التي تستهدف الفرد و تركز عليه بالدرجة الأولى.
فبالنسبة للنشطات المتمركزة حول محيط العمل نجد أنها تهدف بالدرجة الأولى إلى الخفض من تأثير العوامل الضاغطة و يكون ذلك من خلال عدة طرق مثل زيادة عدد العمال في المنظمة، إعادة النظر في المهمات الموكلة للموظفين، العمل على دعم الفرد بواسطة تعزيز علاقته مع زملاء العمل، إضافة إلى تحسين عملية الإشراف على العمال و تكوين ما يعرف بمجموعات المحادثة (les groupes de paroles).
أما فيما يخص النشاطات المتمركزة حول الفرد فتهدف إلى تحسين قدراته على التكيف مع مختلف الوضعيات ويكون ذلك بإعتماد تقنيات الإسترخاء، إدارة الوقت، و اللجوء إلى مختلف تقنيات العلاج النفسي (العلاج التحليلي، المعرفي السلوكي على وجه الخصوص)، كما ينصح بعض الباحثين باللجوء إلى ممارسة النشاطات الرياضية.
إلا أن معارفنا و معلوماتنا الحالية لا تشير إلى وجود طرق أو تقنيات علاجية خاصة بحالة الإنهاك المهني.
(10.10.2010, p.20-21 www.souffrance-dusoignant.fr, )
خـلاصـة :
يعتبر الاحتراق النفسي إضطراب حديث الظهور يهدد كل الأفراد العاملين بالمهن التي تقوم على تقديم المساعدة والخدمات الإنسانية للآخرين، وهو وليد المعاناة التي يفرضها واقع العمل في يومنا هذا، كما أنه يمكن أن يكون بمثابة بوابة يدخل من خلالها الفرد في إضطرابات أخرى من مثل : الاكتئاب، القلق، الأمراض السيكوسوماتية...الخ، إلا أن عدم إدراجه بصفة رسمية ضمن التصنيفات الدولية للأمراض العقلية والنفسية لا يعني عدم وجوده كحالة مرضية ذات جدول عيادي محدد، فمن خلال الممارسة العيادية كثيرا ما نجد صعوبة في تجاهل هذه الحالة المرضية غير المعترف بها، ففي حال ظهور كل الأعراض التي تنتمي إلى جدول الإحتراق النفسي لا يكون لدينا أي سبب حقيقي يمنعنا بشكل أو بآخر من إعتماد تصنيف هذه الحالة كحالة إحتراق نفسي، فالأخصائي العيادي يعتمد بالدرجة الأولى على الممارسة العيادية كمرجعية تصنيفية.

وفاء

المساهمات : 20
تاريخ التسجيل : 18/11/2008
العمر : 35

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى