نموذج Ivancevich & Mattesson في الضغط المهني.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

نموذج Ivancevich & Mattesson في الضغط المهني.

مُساهمة  وفاء في السبت نوفمبر 06, 2010 8:29 pm

من إعداد الأستاذين"بغول""بوعلي"-جامعة سطيف.
إن موضوع الضغط و خاصة في بعده المهني كان و ما يزال من المواضيع التي حضيت باهتمام العديد من الباحثين على إخلاف انتماءاتهم الفكرية و منطلاقاتهم الأيديولوجية( فسيولوجيين كانوا أو سيكولوجيين أو اجتماعين....الخ) كون تواجده بمستويات عالية في المحيط المهني يشكل أحد العوائق الرئيسية المؤثرة على نوعية أداء الأفراد العاملين و من ثم على نوعية مخرجات المنظمة.
و قد تمخض عن هذا الاهتمام ظهور عدد من النماذج لعدد من الباحثين التي حاولت جميعها الوقوف على ماهية مختلف أبعاد هذه الظاهرة و انعكاساتها السلبية على مختلف أبعاد شخصية الأفراد، و كذا على نوعية مخرجات المنظمات و غيرها...إلخ.
و من أمثلة هذه النماذج نجد نموذجHans Selye (1956)، نموذجFrench & Kahn (1962) ، نموذجLazarus (1966) ، نموذج Beerh & Newman (1978) ، نموذج Cooper (1986) ، و نموذجIvancevich & Mattesson (1980).
هذا الأخير الذي هو موضوع بجثنا ،و ذلك لما يتميز به من إدراكات شاملة للعلاقة بين الضغط و معايشته، مع توضيح الكيفية التي يؤثر بها الضغط على السلوك الإنساني في مكان العمل، و كذا مختلف نتائج دراسات الباحثين التي أيدت فروض و تصورات هذا النموذج.
قبل الوقوف على ماهية نموذج Ivancevich & Mattesson في الضغط المهني، ارتأينا ضرورة التعرض، و لو بشكل مقتضب، إلى مجموعة نقاط تتحدد في:
I- نشأة و تطور مصطلح الضغط:
إن الفضل في ظهور و تطور مصطلح الضغط، وفق ما يجمع عليه الباحثون، يعود بالدرجة الأولى إلى جهود الفسيولوجيين الذين ركزوا كل اهتماماتهم على المنبهات الطبيعية (كسبب) و الأعراض الفسيولوجية (كنتيجة)، و لكن خلال السنوات (30) الثلاثين الأخيرة من القرن الماضي و حتى يومنا هذا قل الاهتمام بدراسة الضغط من الناحية الفسيولوجية، و زاد الاهتمام به من الناحية السلوكية و أصبح اهتمام الباحثين مركز أكثر على المنبهات السيكولوجية و المهنية ( غموض الدور) كسبب و الأعراض السيكولوجية و التنظيمية (دوران العمل، التغيب، التمارض) كنتيجة.
و وفق ما يجمع عليه الباحثون أن بداية انتشار مصطلح الضغط (Stress) المأخوذ من الكلمة اللاتينية (Stringere) التي تعني يسحب بشدة، و الذي أستعمل لأول مرة خلال القرن (14) الرابع عشر، كانت خلال القرن (19) التاسع عشر، ( و إن كان ذلك بصورة غير ثابتة و منظمة حيث استعملت عدة مفاهيمStrest, Setresse, Stress و حتى Straise )، حين أعترف الفسيولوجي الفرنسي كلود برناردClaude Bernard سنة 1867 بالنتائج السلبية الكامنة في عملية الضغط على اتزان الجهاز العضوي حيث يقول: " إن التغيرات الخارجية في البيئة بإمكانها تعطيل الجهاز العضوي، و حتى يحافظ على نفسه ينبغي عليه أن يتكيف بطريقة ملائمة مع هذه التغيرات، و أنه من المهم جدا أن يحصل العضو على الاتزان في البيئة الداخلية.
و في سنة 1920 أستعمل الفسيولوجي الأمريكي والتر كانونWalter Cannon مفهوم الاتزان الحيوي (Homeostasis) الذي يعني المحافظة على اتزان البيئة الداخلية، و الذي أستعمل في إطار اجتماعي و تنظيمي.
أما فيما يتعلق بالاستعمال الحديث لمصطلح الضغط فقد بدأ مع الفسيولوجي الكندي هانز ساليHans Selye ( أب الإجهاد)، الذي كان لمجهوده الدور الحاسم في إرساء الدعائم الأولى للعديد من الدراسات التي جاءت بعد سنة 1936 تاريخ نشره لأول مقال له حول موضوع الضغط، والذي لم يستعمله في كتاباته إلا في سنة 1946. و لكن أفضل مساهمة لسالي في ميدان الضغط تتمثل في إصداره لكتابه الموسوم " الضغط " سنة 1956 ، و فيه يعرف الضغط بقوله: " هو حالة داخلية للجهاز العضوي تنتج عن الاستجابة إلى عوامل مثيرة .
II-تعريف مصطلح الضغط:
لما كان و ما يزال، مصطلح الضغط المهني من أكثر المصطلحات تداولا من قبل الباحثين على اختلاف تخصصاتهم العلمية، و منطقاتهم الفكرية فقد كان سببا في عدم وجود اتفاق بينهم حول تعريف موحد لهذا المصطلح يرضي الأغلبية منهم إن لم نقل كلهم، و في هذا السياق، يشير عمار الطيب كشرود، في كتابه الموسوم " علم النفس الصناعي و التنظيمي الحديث: مفاهيم، و نماذج، و نظريات، المجلد الثاني، الصادر سنة 1995، إلى أن معظم التعاريف التي قدمت لمصطلح الضغط تندرج ضمن واحدة من الفئات الثلاث التالية .
-II-1تعاريف تقوم على أساس المنبه:
وفق هذا الطرح يعرف الضغط على أنه القوة (المنبه) التي تؤثر على الفرد مما يؤدي إلى حدوث إستجابة توترية.
-2-IIتعاريف تقوم على أساس الاستجابة:
وفق هذا الطرح يعرف الضغط على أنه الاستجابة الفسيولوجية و السيكولوجية التي يقوم بها الفرد لمصدر بيئي مجهد.
-3-IIتعاريف تقوم على أساس المنبه و الاستجابة:
هذه المجموعة من التعاريف هي عبارة عن مزج بين المدخلين السابقين.و وفق هذا الطرح يعرف الضغط على أنه نتيجة للتفاعل الموجود بين منبه بيئي و استجابة المزاج الذاتي الخاص بالفرد (أي الفروق الفردية).
III- نموذج Ivancevich & Mattessonفي الضغط المهني(1980):
يحتوي هذا النموذج على ثلاثة أبعاد أساسية هي:
•بعد عوامل الضغط.
•بعد الفروق الفردية (الوسيط).
•بعد نتائج الضغط (تأثيراته). و فيما يلي شرح مقتضب لكل بعد من هذه الأبعاد.
1- بعد عوامل الضغط:
يقسم نموذج Ivancevich & Mattessonعوامل الضغط إلى أربعة أصناف و هي:
•عوامل الضغط الفيزيقية (الحرارة، الإضاءة، الضوضاء...).
•عوامل الضغط الفردية ( حمل العمل، تصميم العمل، عدم وضوح الدور...).
•عوامل الضغط الجماعية (العلاقات غير السوية بين المشرف و أتباعه، العلاقات غير السوية بين أفراد جماعة العمل...).
•عوامل الضغط التنظيمية (عدم المشاركة في اتخاذ القرارات، الهياكل التنظيمية...إلخ).
و في حالة ما إذا وجدت كل هذه العوامل فإنها تكون مصادر قوية لمعايشة الضغط و بالتالي لا تكون في مصلحة العامل و العمل.
2- بعد الفروق الفردية:
يحتوي هذا النموذج على الفروق الفردية الديمغرافية ( السن و الجنس ) و السلوكية ( الثقافة و القدرة )و المعرفية أو الانفعالية ( نمط الشخصية "أ"، تقدير الذات، تحمل الغموض...الخ) و تلعب هذه الفروق الفردية دورا هاما و هذا لكونها معدلة للعلاقة بين عوامل الضغط و نتائجه ( تأثيراته).
و على هذا الأساس فإن الشعور بالضغط أو عدم الشعور به يكون مرتبطا بالصفات الخاصة التي يتميز بها الأفراد في مكان عملهم.
3- بعد نتائج الضغط:
تشير الدراسات إلى أنه في مواقف الضغط، لا تكون لبعض الأفراد القدرة أو القابلية الكافية للتكيف مع عوامل الضغط بصورة موفقة، و يكونون بالتالي أكثر عرضة لمعايشة الضغط فسيولوجيا و سيكولوجيا.
و يشير كوكس (Cox, 1978) إلى خمسة أنواع من التأثيرات و هي:
•التأثيرات الفردية ومنها القلق، و الملل، و الكآبة، و التعب و الإحباط و انخفاض تقدير الذات و العصبية.
•التأثيرات السلوكية و منها ارتكاب الحوادث، و الإدمان على المخدرات، و الإفراط في الأكل و الشرب و التدخين.
•التأثيرات المعرفية و منها عدم التركيز و اضطراب الانتباه و الذاكرة.
• التأثيرات الفيزيولوجية و منها ارتفاع ضغط الدم، و ارتفاع مستوى السكر في الدم و ارتفاع مستوى الكوليستيرول في الدم.
•التأثيرات التنظيمية و منها التغيب، و انخفاض الإنتاج و عدم الرضا الوظيفي.
و هكذا، يتضح من خلال ما سلف ذكره، أن الهدف من وراء تحليل هذه المتغيرات هو الإشارة إلى أن ضغط العمل متعدد الجوانب و من الممكن أن تختبره جميع مستويات المنظمة.
IV- عوامل الضغط في العمل:
عوامل الضغط (Stressors) المباشرة للمحيط الخارجي هي تلك العوامل التي تتعب بصورة مباشرة الاستعدادات التكيفية للجهاز الفيزيولوجي، دوفي (Duffy 1962) ، و تسبب تغيرات فيزيولوجية، قلاس و سنجر ، و ترغم الأفراد على المحافظة على قدراتهم الإنتباهية لفترة ممتدة من الزمن، بولتون (Poulton , 1979) .
كما أنها (عوامل الضغط)، لا تؤدي فقط إلى عدم التوافق بين الإنسان و محيطه الخارجي، بل إلى استجابات سلوكية و فسيولوجية مختلفة. لقد أشار دوفي إلى أن الاستجابات الفسيولوجية تكون مرتبطة بقابلية التهيج للجهاز العصبي المستقل، و المنعكس بدوره في تعبئة الأدرينالين، و زيادة ضربات القلب و الاستجابات الكهربائية للجلد. و تعمل هذه التغيرات وفق مفهوم اليقظة الذي يؤدي بدوره إلى تعبئة الطاقة.
و في هذا السياق إذا أصبح ظرف محيطي ما عامل ضغط (ضوضاء، متطلبات مبهمة، عدم وضوح الدور...)، فان تأثيره الأولي ينتج في اليقظة ثم في نتائج سلوكية و انفعالية ( ارتكاب الحوادث، انخفاض الأداء، قلق، توتر...) فيما بعد. لماذا؟ لأن عوامل الضغط للمحيط الخارجي، بعدما يتم إدراكها و تقويمها من طرف الأفراد على أنها غير متطابقة مع قدراتهم و استعداداتهم قد تؤدي بهم إلى معايشة الضغط. و عليه، فأي مثير يؤدي إلى معايشة الضغط هو عامل ضغط.
بصفة عامة، يمكن القول أن مفهوم عوامل الضغط في العمل، هو تلك الظروف المحيطة بالعمل و التي تؤثر على الاستعدادات التكيفية للإفراد. في حين أن درجة معايشة الضغط كثيرا ما تكون معدلة مباشرة بالفروق الفردية.
IV-1- عوامل الضغط الفيزيقية:
إن عوامل الضغط الفيزيقية هي تلك الأوامر المتعلقة بالوسط الفيزيقي، كدرجة الحرارة و الرطوبة، و الإضاءة و الضوضاء و الاهتزازات أي مجمل الأمور الفيزيقية التي من شأنها أن تؤثر على الأفراد بدنيا و ذهنيا و سلوكيا و إنفعاليا.
و نظرا لكون قدرات الأفراد للتعامل مع محيطهم الفيزيقي محدودة، فإن الوسيط الفيزيقي عندما يكون غير متماش و كفاءاتهم الحسية فانه لا يؤثر فقط على الأداء و إنما أيضا على صحتهم و سلوكهم (هجرة العمل، زيادة نسبة التغيب، إرهاق، تعب...). في هدا الإطار، أشار لندي و ترومبو (landy & Trumbo, 1980) إلى أن الأشخاص لا يستطيعون سمع الاهتزازات الصوتية في الهواء الأقل من 20 وحدة في الثانية، و الأكثر من 20.000 وحدة في الثانية. كذلك ما قيل عن مجال الاستجابة الصوتية يمكن قوله عن القدرات الحسية الأخرى ( الرؤية، للمس...). و على هذا الأساس، فإن الأداء الجيد لا يتم إلا إذا كانت هذه الظروف الفيزيقية منسجمة مع أجهزة استقبال الأفراد.
كذلك، و إذا ما دققنا النظر في عوامل الضغط الفيزيقية فهي قد تختلف من صناعة إلى أخرى و من مكان إلى آخر، كما أن درجة خطورتها على الأفراد تكون متغيرة حسب هذه الاختلافات. و على هذا الأساس، قد يختلف الوسط الفيزيقي في الإدارة من مكان إلى آخر، كما أنه قد يكون أقل خطورة على صحة الأفراد و استجاباتهم
و هذا بالمقارنة مع الوسط الفيزيقي التي تعرفه صناعات الحديد و الصلب و أشغال المناجم أو الفحم.
و هكذا و على أثر اختلاف هذه العوامل و تعدادها، فإن مهمة علماء النفس العمل و التنظيم، و كذلك المختصين لا تكمن فقط في إيجاد الحلول لتكييف العمال أي الأقل عرضة لهذه العوامل، و إنما دراسة المحيط ككل لمعرفة متطلبات الأعمال من الإضاءة والضوضاء و غيرها و هذا لأنها تعتبر عوامل هامة للرفع من معنويات العمال و إنتاجهم الصناعي.
IV-2- عوامل الضغط الفردية:
IV-2-1- صراع الأدوار:
يبين كاهن و آخرون Kahn & et Al,1964)) ، أن صراع الأدوار ينتج عندما يحضر دورا متعارضا أو (أكثر ) في آن واحد عند نفس الشخص، و بالتالي فان امتثاله لدور واحد يجعل من تأدية الدور الآخر أمرا معقدا.
و من الأسباب المؤدية إلى صراع الأدوار نجد، على سبيل المثال، الصراع بين متطلبات البيت و متطلبات العمل لبعض النساء العاملات، أو الصراع بين مسؤوليات المشرف الجديد و الإخلاص و الصداقة لزملائه السابقين. و نظرا لأن عمليات الاختيار بين هذه الصراعات تكون صعبة و مزمنة، فإنها قد تؤدي إلى الانهيار العصبي.
و هكذا، فإنه نتيجة قدرات الأفراد المحدودة، فإن المواقف المتميزة بصراع الأدوار تؤدي إلى تداخل التوقعات فيما بينها، و تؤثر سلبيا على السلوك و الدافعية.
و قد أجريت عدة دراسات في هدا المجال و هدا لمعرفة تأثير صراع الأدوار على اتجاهات الأفراد و سلوكياتهم. فمثلا يشير ريزو و آخرون (Rizzo & et Al, 1970) إلى أن صراع الأدوار مرتبط سلبيا بالمناهج التنظيمية غير الموفقة، كما أنه يؤدي إلى الضغط الذي يؤدي بدوره إلى عدم الرضا و الإنتاج الضعيف.
كما يؤكد شولار و آخرون (Shuler & et Al, 1977) أن صراع الأدوار كثيرا ما يسبب حالات سالبة تتمثل في الضغط و عدم الرضا.
IV-2-2- عدم وضوح الدور:
عدم وضوح الدور هو عدم استجابة الأفراد و تمكنهم من فهم متطلبات العمل و كيفية تحقيق التوقعات.
لقد أشار هاوز (House, 1971 ) إلى أن عدم وضوح الدور ينتج عندما يكون:
•العمل غير مهيكل.
•المناهج القانونية للمنظمة قليلة.
•الأفراد ليست لديهم خبرة لداء عملهم.
في هذا الإطار و انطلاقا من نظرية التوقع لفروم (Vroom, 1964) التي تشير إلى أن القوة الدافعة أو الجهد تساوي التوقعات في القيم الداتية ( القوة = التوقعات × القيم الداتية)، حيث أن القوة هي الجهد المبذول و بالتالي كلما كانت الرغبة قوية كلما أرتفع الجهد، و التوقعات هي معتقدات الأفراد أن السلوكيات التي يقومون بها تؤدي إلى بعض النتائج، و القيمة الدانية هي حجم القيمة الموجبة أو السالبة و التي توضع على النتائج المحصل عليها، فإنه في غياب وضوح الدور لتوجيه السلوك و تحديد كيفية تحقيق التوقعات، يكون أداء الأفراد ضعيف و هذا مهما ارتفع جهدهم.
إذا لم يعالج عدم وضوح الدور بطرق إشرافية فعالة و هذا لخفض الصفات السلبية في العمل، و هيكلة العمل بأحسن المناهج، و معرفة توقعات و مقاييس أدائه و ضبطه بقواعد قانونية دقيقة، يمكن أن يؤدي إلى الضغط و عدم الرضا و ضعف الإنتاج.
و يشير كاهن و آخرون( Kahn & et Al,1964) في دراسة لمركز الطيران الفضائي في الولايات المتحدة الأمريكية إلى وجود معامل ارتباط سلبي بين عدم وضوح الدور و الرضا عن العمل، و بين عدم وضوح الدور و عدم استعمال الأفراد لذكائهم و قدراتهم المعرفية و الإشرافية. و يؤدي هذا التحديد حسب لزاروس (Lazarus, 1966) إلى تضييق التركيز و هذا نتيجة الضغط و القلق.
IV-2-3- تصميم العمل:
أ- نموذج صفات العمل:
لقد أنجز هاكمان و أولدهم (Hackman & Oldham, 1976) نموذجا تصميميا للعمل أطلق عليه بنموذج صفات العمل (the Job characteristics model) وهذا لتفسير كيف يؤثر التفاعل بين صفات العمل والفروق الفردية في الرضا الوظيفي والدافعية والإنتاجية في مكان العمل. وهو عادة ما يستخدم كدليل لمناقشة مناهج التغيير ومبادئه وهذا حينما تقام إستراتيجيات إعادة تصميم الوظائف وإثرائها، و الشكل التالي يوضح ذلك .
صفات العمل المركزية الحالات النفسية الراهنة العوائد
تنوع المهارات
تعريف هوية العمل
دلالة معنى العمل
خبرة أهمية العمل
ارتفاع دافعية العمل الداخلية (حوافز داخلية عالية)
ارتفاع الرضا الوظيفي العام
الاستقلالية
خبرة المسؤولية عن نتائج أو عوائد العمل
ارتفاع نوعية أداء العمل
التغذية الرجعية
معرفة النتائج الحقيقية لنشاطات العمل
انخفاض نسبة التغيب وترك الخدمة
و على إثر النموذج السالف الذكر، يؤكد هاكمان و أولدهم أن أي عمل من الأعمال يمكنه أن يتصف بخمسة أبعاد مركزية وهي:
* تنوع المهارات: وهو مقدار ما يتطلبه العمل من ممارسات متنوعة تؤدي بدورها إلى استعمال عدة مهارات وقابليات مختلفة. عندما يتطلب العمل من الأفراد عدة قدرات و مهارات متنوعة يمكنه أن يدرك من طرفهم على أنه مهم و بالتالي يكون لديه تأثير ايجابي على سلوكا تهم.
* تعريف العمل: وهو مقدار ما يتطلبه العمل من إتمام لكل أجزائه من البداية إلى النهاية لتحقيق نتائج ملموسة. إذا قام الفرد بتركيب كل أجزاء المنتوج، يمكنه أن يدرك أن للعمل دلالة أكبر وهذا بالمقارنة مع قيامه بتركيب أجزاء صغيرة من المنتوج ككل.
* دلالة العمل: وتعني مقدار ما يكون للعمل من تأثيرات قوية على معيشة الأفراد سوءا كان ذلك داخل المنظمة أو خارجها. عندما يشعر الفرد أن لنتائج عمله تأثيرا إيجابيا على حياة الأفراد، فإن الشعور بقيمة عمله يرتفع. وعلى هذا الأساس، فإن العامل الذي ينجز عمله في ميدان الطيران مثلا، يدركه إدراكا إيجابيا كبيرا وهذا بالمقارنة مع العامل الذي يؤدي عمله في ميدان أقل أهمية، و هذا مهما تكن مستويات القدرات و المهارات متشابهة.
* الاستقلالية: وهي مقدار ما يتضمن العمل من الحرية و استقلال ورزانة في برمجته وتحديد المناهج لإنجازه. عندما تمنح الحرية للعامل في مكان عمله، فمن المحتمل جدا، أن يدرك النتائج المحصل عليها عن طريق جهوده ومبادراته وقراراته الخاصة، وفي مثل هذه المواقف، يمكن للعامل الشعور بمسؤولية النجاح أو الفشل في مكان عمله.
* التغذية الراجعة: وهي مقدار ما يتحصل عليه الفرد من معلومات واضحة والخاصة بأدائه. عندما يتحصل العامل على نتائج ممارساته فإن التغذية الراجعة تساعده في تصحيح الأخطاء وتقوية رغبته في العمل. وعلى هذا الأساس، فإنه في حالة عدم احتواء العمل على مثل هذه الصفة، يحتمل أن يكون الأفراد غير قادرين من معرفة مدى دقة وصلاحية استجاباتهم على مؤثرات العمل.
بالإضافة إلى الأبعاد المركزية السالفة الذكر، يبين هاكمان وأولدهام (Hackman & Oldham, 1975)أنه توجد ثلاثة حالات نفسية راهنة وهذا لرفع التحفز والإنتاج وهي:
•تكون أهمية العمل وقيمته مرتفعة عندما يحتوي العمل على تنوع المهارات وتعريف العمل ودلالة العمل.
•تتأثر قيمة الشعور بالمسؤولية بدرجة الاستقلالية التي تمنح في العمل.
•تتأثر معرفة نتائج الممارسات بنوعية التغذية الراجعة.
وعلى إثر هذه الحالات النفسية الراهنة، فإن العامل المتحفز والمنتج والراضي عن عمله هو الذي يؤمن أن العمل لديه قيمة ولديه الإحساس بالمسؤولية ولديه معلومات واضحة عن ممارساته.
ويشير هاكمان و لولار (Hackman & Lawler, 1971) في هذا الإطار، إلى أنه كلما توافرت مثل هذه الحالات في العمل، كلما زاد إحساس الأفراد وشعورهم بقدراتهم وكفاءاتهم، وبالتالي فهي تعمل كمكافآت تشجيعية تكمن مهمتها في تطوير دورة دافعية ذاتية موجبة ومتسقة تتقوى من خلال تطوير مكافآت الذات. ويتوقع أن تكون هذه الدورة متواصلة على هذا النحو إلى غاية انطفاء إحدى أو جميع هذه الحالات أو إلى غاية انطفاء إدراكات الأفراد العاملين على أن مثل هذه المكافآت غير مرتبطة بالأداء الجيد في مكان العمل.
كما بين دانهم (Dunham, 1977) أن المستويات المرتفعة في هذه الحالات النفسية الراهنة عادة ما تؤدي إلى عوائد شخصية وتنظيمية مواتية تنعكس بدورها في ارتفاع كل من الدافعية الداخلية و الأداء والرضا من جهة، و خفض نسبتي التغيب و ترك الخدمة من جهة أخرى.
وفي ضوء هذه المعطيات، فإن التساؤل المطروح هو كالتالي: كيف يؤثر نموذج صفات العمل على سمات الأفراد و خصائصهم؟
لقد افترض هاكمان و أولد هام (Hackman & Oldham, 1976) وفق هذا النموذج أن قوة نمو الحاجة (Growth need strength) و هي الرغبة في إشباع الحاجات العليا تتجلى مهمتها في تعديل استجابات الأفراد على الأعمال المعقدة أو المثيرة للتحديات وهذا انطلاقا من ترابطين رئيسين هما:
•الترابط بين صفات العمل الموضوعية و الحالات النفسية الراهنة. و عليه، يحتمل أن يعايش الأفراد ذوي قوة نمو الحاجة المرتفعة الحالات النفسية الراهنة عندما تكون صفات العمل متحدية و هذا بالمقارنة مع الأفراد ذوي قوة نمو الحاجة المنخفضة.
•الترابط بين الحالات النفسية الراهنة و العوائد أو المكافآت. و عليه، فإن الأفراد الذين يختبرون قوة نمو الحاجة بصفة قوية يستجيبون إيجابيا إلى الحالات النفسية الراهنة حينما تتوافر في العمل و هذا بالمقارنة مع الأفراد ذوي قوة نمو الحاجة المنخفضة.
و تجدر الإشارة، إلى أن دراسات كل من ها كمان و آخرون (Hackman Et Al, 1978) أكدت أن قوة نمو الحاجة تعمل كمكيف للعلاقة بين صفات العمل و كل من الرضا الوظيفي و الدافعية الداخلية و الأداء.
يهدف النموذج الذي سلف ذكره، إلى توضيح أن عدم الرضا و معايشة الضغط مرتبطان بالعمال غير المتطابقة مع القدرات المعرفية للأفراد، خاصة بالنسبة للأفراد الذين يختبرون ارتفاعا في التطور و قوة نمو الحاجة العليا. كذلك، في هذا الإطار، لقد بينت نظرية اليقظة لسكوت(Scott, 1966 ) أن العمل الأكثر إثراء، يؤدي إلى اليقظة و النشاط و بالتالي إلى الرضا عن العمل و الإنتاج المرتفع. أما إدا كان العمل يتميز بالروتينية
و الامتداد نتيجة نمطه الموحد فإنه يؤدي إلى خفض مستوى اليقظة و يؤثر سلبا على التحفز و الإنتاج.
يؤكد ستروس (Strauss, 1974) أن ألا فراد دوي القدرات الذهنية المرتفعة و الدين يؤدون أعمال روتينية، يشعرون بصفة مطلقة بالضغط النفسي و الانفعالي.
كذلك، ولأن النموذج لم يأخذ بعين الاعتبار تأثيرات إثراء العمل على قدرات الأفراد الذهنية، فإنه، و نظرا لإبعاده المركزية المتداخلة، قد يؤدي بالإفراد إلى استعمال جهد مستمر يؤدي بدوره إلى التوتر العصبي و التعب و الضغط.
و بناء على هذه الآراء، فإن النموذج يمكنه أن يكون مصدر ضغط، خاصة بالنسبة للأفراد الذين يختبرون أدنى الحاجات (الحاجات الأمنية و الاجتماعية) و هذا بالمقارنة مع الأفراد ذوي التطور الشخصي و قوة نمو الحاجة العليا. و لقد بين ستيرس و سبنسر (Steers & Spencer, 1977) أن النتيجة تكون متمثلة
في الشعور بالإحباط و القلق و انخفاض الإنتاج.
IV-3-عوامل الضغط الجماعية:
أ‌-العلاقات غير المتساوية بين المشرف أتباعه:
يبين هولندر (Hollander, 1979) أن الأتباع تكون ثقتهم كبيرة في مشرفهم عندما يحاول توزيع المكافآت بصفة متساوية و يساعدهم على التعرف على الحقيقة بطريقة ثابتة مع حاجاتهم وقيمهم. و على هذا فإنه يتطلب من المشرف أن يتفهم الحوافز التي تحرك دوافع الأفراد مع خلق الجو النفسي الملائم و هذا لتحقيق الأهداف.
و هكذا، فإن عدم استطاعة المشرف تحقيق أهداف أتباعه سوءا كان ذلك بطريقة متعمدة ( عدم توافره على الاستراتجيات للدفاع عن حقوقهم و حاجاتهم) قد يؤدي إلى علاقات غير سوية بين المشرف و أتباعه، و بالتالي انخفاض المعنويات و عدم الرضا.
و في هذا السياق، يشير يوكل (Yukl, 1981) إلى أن الأتباع للتعبير عن عدم الرضا من المحتمل أن يتخذوا إحدى الطرق التالية:
•مغادرة مكان العمل، و التغيب، أو الإدمان على الكحول و المخدرات.
•إظهار طريقة عدوانية اتجاه المشرف، تخريب العمل، و توجيه الشكاوى إلى القيادة.
•خفض الجهد في العمل و أداؤه بصورة متباطئة و غير منتبهة.
يتضح من خلال ما سلف ذكره، أنه في حالة عدم تمكن المشرف من إشباع حاجات أتباعه، تكون النتيجة هي اضطراب العلاقات و انعدام الثقة فيما بينهما و معايشة الضغط. كما أن درجة الضغط تكون مرتبطة بالظروف الاقتصادية و هذا بالنسبة للأفراد الذين يشعرون بالضغط لتغيير مكان عملهم.
ب- العلاقات غير المتعاونة بين أفراد جماعة العمل:
لقد بين يوكل و نوميروف (Yukl & Numeroff, 1979) أن العلاقات بين أفراد جماعة العمل مرتبطة بالتفاعل الذي يحاول من خلاله الأفراد أن يكونوا أصدقاء، و متعاونين و مشتركين في نفس المعلومات و الأفكار، و يساعدون بعضهم البعض لتحقيق التوقعات.
في ضوء هذا التعريف،وانطلاقا من نظرية التبادل الاجتماعي لأدامس (Adams, 1965 ) سنحاول تحليل كيفية نشؤ العلاقات غير المتعاونة بين أفراد جماعة العمل.
تشير هذه النظرية إلى أن العلاقات الاجتماعية يمكن اعتبارها على أنها دلك التبادل الذي يساهم من خلاله الأفراد بجهودهم من أجل توقع بعض النتائج المرغوب فيها.
و بالتالي، يفترض أن تكون لدى الأفراد التوقعات بالنتائج التي يجب أن تحدث عندما يساهمون بوقتهم و جهودهم في التفاعل مع الآخرين.
و بناء على هذه النظرية، يشير أدامس إلى أن المركبات الأكثر أهمية في تبادل العلاقات هي المدخلات (Inputs) والمخرجات (Outputs). المدخلات هي تلك الأشياء التي من خلالها يساهم الفرد في التبادل و التي تحتوي على الخبرة السابقة و الثقافة و الجهد و التكوين. أما المخرجات هي تلك الأشياء التي تنتج بواسطة المدخلات و التي تحتوي على المرتب و بعض المكافآت الأخرى: الترقية، الاعتراف، الاحترام..الخ.
و يتم التبادل حسب أدامس عندما يقيم الفرد داخل جماعته مدخلا ته و مخرجاته و هذا بمقارنتهما مع تلك المحصل عليها من طرف الآخرين، و بالتالي لو ساهم الفرد (أ) بنفس الجهد أو القدرة في تحقيق أهداف جماعته، مثلما فعل الفرد (ب) هذا يعني أن الفرد (أ) يجب أن يتحصل على نفس المرتب أو المكافآت التي تحصل عليها الفرد (ب).
و هكذا، لو يدرك الفرد (أ) عن طريق تقييمه للوضع أن الفرد (ب) تحصل على نسبة أكبر من النسبة التي يتحصل عليها، فإن هذا التقييم يؤدي مباشرة إلى الشعور بعدم التساوي و عدم الرضا. و قد يلجأ إلى اتخاذ بعض الإجراءات التحفيزية و المتمثلة في خفض الجهد و التباطؤ وهذا للتقليل من توتر الوضع.
و نظرا لأن التفاعل هو المشتركات المادية و المعنوية بين أفراد جماعة العمل، فالأفراد الذين يتحصلون على مرتبات و مكافآت ضعيفة و هذا بالمقارنة مع الآخرين من المحتمل جدا و هذا حسب لوفانتال (Leventhal, 1976) أن يعبروا عن عدم الرضا بطرق مختلفة (تكوين الجماعات العدوانية و اللجوء إلى التمرد). و كل هذه العوامل تؤدي إلى الإحباط المتكرر و إلى خفض الروح المعنوية، و اضطراب العلاقات بين أفراد جماعة العمل.
و في هذا السياق، يشير جيبسون و آخرون (Gibson Et Al, 1982) إلى أن الدراسات التي أجريت في هذا الميدان تؤكد أن انعدام الثقة بين الأفراد يكون مرتبطا ايجابيا بعدم وضوح الدور و الذي يؤدي بدوره إلى اتصالات غير متوافقة و رضا عن العمل منخفض.
IV-4 - عوامل الضغط التنظيمية:
أ- عدم المشاركة في اتخاذ القرارات:
يشير كوش وفرا نش (Coch & French, 1948) وهذا وفق تجربة ميدانية قاما بها من أجل اختبار مدى تأثير المشاركة الكلية و المشاركة عبر التمثيل وعدم المشاركة في خفض مقاومة التغيير لمناهج العمل بين عمال وعاملات الخياطة. ولقد دلت النتائج أن الجماعة التي لم يسمح لها بالمشاركة أظهرت وبصورة فورية انخفاضا في الإنتاج، أما الجماعات الأخرى (الثلاثة) التي اشتركت في تخطيط مناهج العمل فقد كان أداؤها أحسن. بالإضافة إلى هذا، تشير نتائج دراستهما كذلك، إلى أن الجماعة التي لم تشارك عجزت عن استعادة مستواها الإنتاجي، وأن الجماعة التي اشتركت عبر التمثيل تمكنت من استعادة مستواها الإنتاجي بعد أسبوعين، كما أن الجماعتين اللتين اشتركتا في المشاركة الكلية استعادتا المستوى الإنتاجي بعد أيام قليلة. وقد بلغت نسبة من غادروا العمل في الأربعين يوما الأولى في الجماعة التي لم تشارك 17% من الموظفين، كما أن العمال تصرفوا بطريقة عدوانية ضد المشرف وعملوا على عدم مساعدته وعلى خفض الإنتاج بصفة متعمدة. أما العلاقات بين المشرفين وأتباعهم في الجماعات الثلاثة التي اشتركت في التخطيط كانت طيبة ولم يترك أحد منها العمل. ويتضح جليا، أن محاولة تصميم العمل وهذه الصفة تؤدي حتما إلى رفع الدافعية والتي تنعكس بدورها في رفع الإنتاج وتحسينه وخفض نسبة التغيب وترك الخدمة.و تتفق هذه النتائج مع ما توصلا إليه براج و أندروز( 1973Bragg & Andrews,) حيث تبين أن مشاركة العمال في تخطيط مناهج العمل و إجراءاته أدت إلى تغيرات ذات دلالة إحصائية في اتجاهات العمال اتجاه العمل و رفع الإنتاجية و خفض نسبة التغيب.
كما يشير فروم (Vroom, 1959) في هذا الإطار أن مقدار المشاركة السيكولوجية مرتبط ارتباطا عاليا مع مستوى أداء المشرفين أصحاب الحاجة العالية إلى الاستقلال و الحاجة المنخفضة إلى التسلط.
و لأن الحاجة إلى الاستقلال هي الرغبة في الحرية و بالتالي مراقبة العمل و الابتعاد عن الضغوطات، فان عدم إشباع هذه الحالات لا يؤدي فقط إلى خفض الجهد و إنما أيضا إلى حالات انفعالية سالبة و هذا نتيجة الغضب و القلق و الإحباط.
ب- الهياكل التنظيمية:
قام ايفنسيفيتش و دونالي (Ivancevich & Donnelley, 1975) بدراسة ميدانية على 295 من بائعي السيارات وهذا للكشف عن العلاقات المتواجدة بين الهياكل التنظيمية البيروقراطية و الديمقراطية و المتوسطة، و الرضا عن العمل، و الضغط و الأداء. و أشارت النتائج إلى أن البائعين في المنظمة الديمقراطية اختبروا أدنى درجة من الضغط، و رضا أكثر ارتفاعا، و أداء متميز بأكثر فعالية، و هذا بالمقارنة مع البائعين في المنظمات البيروقراطية و المتوسطة.
و هكذا، يتضح، أن اختلاف اتجاهات و سياسات المنظمات تؤثر على السلوك. و سنحاول تحليل هذه التأثيرات عن طريق الأسلوب الإشرافي المتبع في الهياكل التنظيمية البيروقراطية و الديمقراطية.
ب-1- القيادة البيروقراطية:
يؤكد فيبر (Weber, 1947) أن البيروقراطية هي الشكل أو التصميم المثالي للمنظمات. فهذه الأخيرة لكونها تحتوي على مستويات دقيقة في العمل (مدى رقابة ضيق، و مستويات سلطوية متعددة، و مركزية اتخاذ القرارات)، يمكن بصفة عقلانية من التنبؤ بسلوك الأفراد داخل هذه المنظمات.
و من أجل مراقبة السلوك الإنساني و توجيهه لتحقيق أهداف المنظمة، فإن مدى الرقابة في هذه المنظمات يكون مرتكزا على نظرية الرقم السحري 7 ± 2 لميلر (Miller, 1956) و بالتالي، يكون مدى الرقابة ما بين 5 و 9 عمال للمشرف الواحد.
و يرتبط هذا ا المجال بقدرة الإنسان القصوى في تجهيز العمليات المعرفية و هذا لمراقبة المحيط و اجتناب الأخطاء.
و قد أشارت الدراسات التي تناولت أثر النمط البيروقراطي على العاملين ومن بينها دراسة ماي سميث (M. Smith) إلى أن تدخل المشرف في أعمال مرؤوسه بقصد إنجاز العمل بتفصيلاته الدقيقة يثير سخط العامل الكفء الواثق من نفسه وعمله مما يؤدي إلى تقليل روح المبادرة و الابتكار لدى العاملين و يضعف روحهم المعنوية و ربما يولد لديهم القلق و الاضطراب النفسي الذي ينعكس على أدائهم و دافعتيهم للعمل.
ب-2- القيادة الديمقراطية:
و نظرا لما تتميز به الهياكل التنظيمية الديمقراطية من (مدى رقابة واسع، و مستويات سلطوية قليلة، و لا مركزية اتخاذ القرارات)، فإن هذه الأخيرة حسب بلانكانشيب وآخرون (Blankenship Et Al, 1968) إلى أن القيادة الديمقراطية عادة ما تؤدي بالمشرفين إلى الارتباط أكثر بأتباعهم وهذا من أجل مبادرة الفعل و اتخاذ القرارات، و يمنح هذا السلوك مبادرة أكثر للعمال للتعبير عن ذواتهم و مشاعرهم و احتياجاتهم و مشاكلهم. و بالتالي، فإن الشعور بالنجاح هو الذي يعمل وفق هذه النظرة و يعمل على التوفيق بين مصالح أتباعه و رغباتهم من جهة، و مصالح التنظيم من جهة أخرى، و هذا من خلال توسيع الدور الذي يقوم به أتباعه مما يحقق قدرا كبيرا من التفاعل و لتعاون بينه و بينهم، يشجعهم على الاشتراك و الإسهام عن طريق المشاركة
في نشاطات التنظيم، و كل هذه العوامل تؤدي إلى رفع الروح المعنوية و الرضا الوظيفي و الثقة في الذات و الاحترام المتبادل و التنافس الحاد بين الأتباع لتطوير المهارات و مناهج العمل.
و في ضوء هذه المعطيات يشير جزيلي(Ghisilli, 1969) أن المكفآت (الترقية، الاعتراف...) غالبا ما تكون معبرة عن مدى التطور الفردي من الناحية الأخلاقية و المعرفية.
كما يشير ورثي (Worty, 1950) إلى أن الهياكل التنظيمية الديمقراطية لديها صفات متطابقة مع صفات المنظمة و فعالية الأفراد. و بالتالي فإن الهياكل التنظيمية الفعالة هي التي تؤدي بالأفراد إلى استعمال طاقاتهم العقلية و البد نية بدون أي ضغط.
V- تأثيرات ضغط العمل:
1- التأثيرات السلوكية:
1-1- الاستهداف للحوادث: يبين بيرد (Bird, 1974 ) أن القابليات للتعرض إلى الحوادث غالبا ما تكون مرتبطة بالحاجة إلى توفير الوقت، و توفير الجهد، و جلب الانتباه...الخ. و لأن هذه الأخيرة تكون متناقضة مع الحاجة إلى العمل بطرق سليمة و آمنة، فإنها تؤدي مباشرة إلى سلوك غير آمن.
و يقول ببرد في هذا المضمار "على الرغم من أن الطريقة الآمنة تأخذ وقت أطول مقارنة بالطريقة غير الآمنة، فإن بعض الأفراد يفضلون الطريقة الثانية على الأولى و هذا توفيرا للوقت".
في هذا الإطار، ونظرا لن سمات الأفراد الشخصية تكون ثابتة و مزمنة، و لأنه توجد علاقة بين هذه الأخيرة، و قابلية التورط إلى الحوادث، فإن الأفراد، نتيجة الرغبة في إشباع بعض الدوافع، أو نتيجة خلل دائم طبيعي تكويني داخل أنفسهم يصبحون أكثر عرضة للحوادث من غيرهم، و هؤلاء هم المستهدفين للحوادث.
و لتوضيح هذه النظرية، نأخذ دراسة شامبرس و فارمس (Chambers & farmers) و هذا لكونها تحدد عامل الخبرة و مدى تأثيره في ارتكاب الحوادث أو عدم ارتكابها.
ففي دراسة سيكولوجية عن الفروق في معدل الحوادث، وجد الباحثان علاقة وثيقة بين الخبرة المهنة و ارتكاب الحوادث.كما أن معدل الحوادث انخفض كلما زادت مدة العامل في العمل أي خبرته.
و لكون أن خبرة العامل تكون مرتبطة بسمة من سمات شخصيته و المتمثلة في سرعة التعلم لتطوير القدرات و المهارات، و لأن هناك علاقة بين سرعة التعلم و الذكاء، نستطيع القول أن يكون الأفراد ذوي الخبرة العالية مستوى عال من الذكاء. و انطلاقا من هذا الافتراض، كيف تكون النتيجة لو قام الباحثان باختبار مدى تأثير الأعمال الروتينية على الأفراد الأكثر ذكاء؟
في هذا الإطار، إنه من المحتمل جدا أن تكون الأسباب المؤدية إلى ارتكاب الحوادث مرتبطة بعدم التكيف و هذا لأن مناصب العمل غير متطابقة مع إمكانياتهم الذهنية. و على هذا الأساس، فإنه في حالة وقوع الأفراد تحت ظروف الضغط و التوتر ( عدم وضوح الدور، صراع الأدوار...) قد تؤدي بهم إلى ارتكاب الحوادث. كما أن نسبة ارتكاب الحوادث تكون معدلة بمدى تحملهم لمواقف الضغط.
و في ضوء هذا التحليل، تكون نظرية الاستهداف للحوادث صادقة إذا كانت نسبة ارتكاب الحوادث بالنسبة للأفراد الأذكياء متكررة سوءا في المناصب الروتينية أو في المناصب الأكثر إثراء و هذا الاحتمال غير متوقع. و هكذا، و لاجتناب الحوادث، يجب دراسة المناخ العملي ككل، مع اتخاذ بعض الاستراتيجيات و هذا لتغيير سلوك الفرد. في هذا الإطار، و لكون الأفراد المدمنين على الكحول و المخدرات كثيرا ما تكون نسبة ارتكابهم للحوادث كبيرة، و لأن الكحول و
المخدرات يكونا مِِؤشرات صادقة للحوادث، فإنه و لخفض هذه الأخيرة يجب التعريف على هذه الظروف تم معالجتها. و ما قيل عن الكحول و المخدرات يمكن قوله أيضا عن جميع مصادر الضغط مع إيجاد مناهج تتميز بفعالية أكثر و المتمثلة في ألانتقاء و الهندسة البشرية و التكوين.
1-2- التأثيرات الفيزيولوجية:
أ- ضغط الدم:
ينشا ضغط الدم عن طريق استجابة سيكوفيزيولوجية مزمنة تؤدي إلى إنهاك طاقات الجسم. و لأن عدم التوافق يهدد راحة الأفراد و هدا لمل يكلفه من جهد أكبرن يؤكد كابلان و آخرون (Caplan et al, 1975) أن نتيجة الضغط (Strain) أو تأثيراته يحتمل توقعها. يعرف نتيجة الضغط على أنها " أي انحراف عن الاستجابات العادية داخل الفرد: "أ" النتائج النفسية و هي عدم الرضا و القلق و انخفاض تقدير الذات. "ب" النتائج الفيزيولوجية وهي ارتفاع ضغط الدم و ارتفاع مستوى الكوليستيرول في الدم. و "ج" العلامات السلوكية و هي التدخين و زيارات العيادات.
و على هذا الأساس، فان الجهد المتواصل و غير الطبيعي يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم.
يبين فرا نش و كابلان (French & Caplan, 1973) أن المصدر الرئيسي و المباشر و المؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم هو المسؤولية على الأرواح. و هكذا، فإنه نتيجة اتخاذ بعض الأفراد للقرارات ذات الخطورة و الأهمية البالغة ( رؤساء الدول، مراقبي برج الطيران، الطيارون الأطباء...)، قد يكونون أكثر تعرضا من غيرهم لاختبار ضغط الدم المتواصل، و ارتفاع مستوى الكوليستيرول في الدم و التدخين.
1-3-التأثيرات على الصحة الجسمية و العقلية:
*أمراض القلب:
يشير فريدمان و روزمان Friedman & Rosenman, 1974)) ، و جنكينس (Jenkins, 1976) إلى أن الحوادث النفس إجتماعية تعد بالدرجة الأولى من بين الأسباب الرئيسية و المؤدية إلى أمراض القلب.
و سنحاول تحليل أثر الحوادث النفس اجتماعية على السلوك عن طريق نمط الشخصية "أ".
تمكن الباحثان فريدمان و روزمان من خلال المقابلات و الملاحظات الإكلينيكية لمرضى القلب من اكتشاف مجموعة من الاتجاهات و الردود الانفعالية و السلوكيات التي تعبر عن الصورة المثالية لنمط الشخصية "أ". و أصبح هذا الأخير من الاهتمامات البالغة الأهمية في الميدان الطبي و هذا لكونه مرتبطا إيجابيا بالنوبات القلبية و يتصف بما يلي: يتصارع دائما للحصول على عدة أشياء ممكنة في وقت زمني قصير، كما أنه هجومي و يطمح إلى جلائل الأعمال و السلطة كما يحب التنافس و يفتقر إلى الصبر، و يكره الانتظار و يعتبره ضياعا للوقت، و ينشغل بآخر الآجال، و هو دائما في سباق مع الوقت و الأشخاص و الحوادث، و هذا بالمقارنة مع نمط الشخصية "ب"و الذي يعرف بأنه منعدم الشعور بالضغوط المتناقضة سوءا كان ذلك مع الأشخاص أو الوقت، كما أنه يتميز بالصبر و يؤدي أعماله بصفة ثابتة و غير متسرعة و بدوافع معتبرة.
و بناء على هذه الصفات، سمي النوع الأول بالنمط "أ" للشخصية و يتميز بالإصابات القلبية الكثيرة و هذا بالمقارنة مع النوع الثاني و الذي سمي بالنمط "ب" للشخصية.
علاوة على هذا، يبين الباحثان أن الأفراد ذوي النمط "أ" يعملون مطولا و بقساوة تحت ضغوط آخر الآجال و حمل العمل. إنهم غالبا ما يأخذون أعمالهم إلى البيت في المساء و أيام العطل، مبرزين بذلك عدم القدرة على الارتخاء. إضافة إلى هذا، إنهم كثيرا ما يتنافسون مع أنفسهم و مع الآخرين محددين مقاييس عالية جدا للإنتاج
و قد يستحيل تحقيقها. كما يختبرون الشعور بالإحباط في عملهم و يتميزون بسرعة الحدة و الغيظ مع جهود و أعمال الآخرين.
و يبين هوارد و آخرون (Howard et al, 1975) في دراسة ميدانية أجريت على 236 مشرف في 12 منظمة مختلفة، أن الأفراد ذوي النمط "أ" يعملون ساعات أكثر في الأسبوع، و يسافرون أياما أكثر في السنة، كما أنهم يرغبون في الظروف العملية الخاصة التي تمنحهم مسؤوليات الرقابة و الشعور بالمنافسة في العمل و متطلبات متناقضة و هذا بالمقارنة مع الأفراد ذوي النمط "ب".
و هكذا، يتأكد من خلال ما سلف ذكره، أن أفراد النمط "أ" نظرا لميولهم لخلق ضغوط محيطية متميزة بحركة دائمة، و عدم الانتظار لإشباع الحاجات من الناحية الاجتماعية و المتمثلة في الطموح للرفعة و ما يترتب عنها من ضغوط سيكوفسيولوجية. كل هذه العوامل تؤدي إلى بلوغ ضغط الدم أقصاه عند هؤلاء الأفراد، و يؤدي القلق الناشئ عن ذلك إلى تغيرات بيوكيميائية تسهم في إحداث أمراض القلب.
و على هذا الأساس، فإنه من المحتمل جدا أن يكون أفراد النمط "أ" أكثر عرضة من غيرهم لظهور أعراض مرض القلب نتيجة ما يتصفون به من سمات و خصائص معينة و محدودة.




وفاء

عدد المساهمات: 20
تاريخ التسجيل: 18/11/2008
العمر: 32

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى