أبناؤنا من الاتكالية إلى الاعتماد على الذات..

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أبناؤنا من الاتكالية إلى الاعتماد على الذات..

مُساهمة  أ.بوعود في الأربعاء ديسمبر 30, 2009 8:36 am

السلام عليكم

أبناؤنا من الاتكالية إلى الاعتماد على الذات..

"أمي أنا جائع..أمي أريد أن أشرب.. أمي أين ملابسي.. أمي ساعديني في كتابة الواجبات المدرسية..أمي ابقي بجواري لأنام...".

كلمات تتردد كثيراً من أفواه أبنائنا حتى يكاد الطفل لا ينطق جملة مفيدة إلا ويضمنها طلباً لأمه..حيث تجد الأم نفسها في طاحونة يومية من الأوامر والطلبات التي لا تنتهي من بداية اليوم وحتى نهايته..

وقد يتصور البعض أنها مرحلة مؤقتة يعبرها الطفل بنفسه حتى يصل لمرحلة الاعتماد على الذات تلقائياً ، إلا أن المشكلة أننا قد نغرس في الطفل دون أن ندري مبدأ الاتكالية والاعتماد على الغير حتى نهاية العمر..

والغريب أن جميع الكائنات الحية تعلم كيف ومتى تنتهي فترة حضانتها للأبناء ليتعلموا بالفطرة كيفية مواجهة الحياة..إلا أن الانسان وهو أعقل الكائنات قد يقف حائراً أمام هذه المعضلة مع الأبناء تواجهه في سبيل تحقيقها عقبات شتى منها:

- العاطفة الجياشة التي يكنها المرء تجاه أبنائه والتي تزداد جرعتها عند الأم..

- الشعور الدائم بضعف الأبناء وبأنهم عاجزون عن الوفاء باحتياجاتهم..

- الخلط بين الحب والرعاية من جهة وبين التدليل المفرط والخوف الزائد عن الحد من جهة أخرى..

- عجز الوالدين عن معرفة الوقت المحدد الذي يمكن للطفل فيه التدرج للاعتماد على ذاته..

- العزوف عن تدريب الطفل على الاعتماد على الذات واستسهال القيام بالمهام المختلفة التي تخصه بدلاً منه اختصاراً للوقت والجهد..

وهذا كله يؤدي إلى نمو طفل اتكالي لا يكاد يقدر على الوفاء باحتياجات نفسه فضلاً عن المشاركة في أعباء أسرته ولهذا سلبيات عديدة منها:

- ضعف شخصية الطفل وضعف ثقته بذاته وشعوره الدائم بالعجز وبأن ثمة من يجب عليه تحمل مسؤوليته حتى في أبسط الأمور ، وبأن الآخرين قادرون على آداء المهام بصورة أفضل منه..

- ضيق أفقه وعجزه عن اكتساب خبرات جديدة أو معارف واسعة ..ولذا نجد الكثيرين من الشباب المتفوقين دراسياً لكنهم يفتقدون لحسن التصرف أو حسن الإدارة أو القدرة على اتخاذ القرار..

- الخوف من مواجهة أي موقف خشية الفشل لأنه لم يتعود تحمل تبعات أفعاله ولا مسؤولية تصرفاته..

- تعرض الطفل لصدمة أو اضطراب نفسي كبير إذا فقد أحد الوالدين أو كلاهما نتيجة الاعتماد الكلي أو الجزئي عليهما..

- حرمان الابن أو الابنة من فرص جيدة في الدراسة أو العمل قد تشترط استقلاليته أو سفره أو بعده عن والديه..وقد يؤدي اختياره لها إلى فشله نتيجة عدم تعوده على القيام بمسؤوليات نفسه..

- تعرض الابن أو الابنة للفشل في الحياة الاجتماعية نتيجة العجز عن تحمل أعباء الأسرة ؛ فكثير من حالات الطلاق تنتج من عجز الزوج أو الزوجة عن القيام بأدوارهم الاجتماعية الجديدة بعيداً عن رعاية وإرشاد الآباء..بل قد يكون تدخل الأسرة نتيجة عجز الابن أو الابنة عن تحمل المسؤولية سبباً مباشراً لحدوث الخلافات التي قد تنتهي بالطلاق..

ولكل ما سبق من مساوئ وسلبيات تنجم عن اتكالية الأبناء فإنه لابد لكلٍ من الأبوين من وقفة للتعرف على أهمية غرس قيم الاستقلالية والاعتماد على الذات منذ الصغر ؛ حتى ينشأ الابن شخصاً إيجابياً قادراً على خدمة نفسه ورعاية أسرته وخدمة مجتمعه ، فليس معنى الحب توفير كل شيء للأبناء دون جهدٍ منهم ، وليس معنى الرعاية منع الأبناء من تحمل أي مسؤولية لا سيما في الأشياء التي تخصهم ، ولكن الحب والرعاية هي مظلة تتيح تحتها نمو الفرد وبناء شخصيته بصورة سوية قادرة على الاعتماد الذات وتحمل المسؤولية..

ولنتذكر معاً تلك الكلمة الجامعة التي تقول (لا تحرم ابنك من الخبرات، ولو سببت له بعض الألم، فهو بحاجة للشعور بالحياة لكي يتعلم منها).

يمر الإنسان بثلاث مراحل في حياته حتى يصل إلى الاستقلال بشخصيته ، تبدأ المرحلة الأولى بولادته وانفصاله عن أمه ، وتبدأ الثانية بفطامه ، وأخيراً المرحلة الثالثة التي تبدأ بمرحلة البلوغ ، وقد اقترح العالم النفساني الفرنسي (موريس دبس) تسمية هذه المرحلة "بالفطام النفسي".
حيث تبدأ لدى الناشئ الرغبة والميل للاستقلال بشخصيته ، واتخاذ قرارات حياته بمفرده ، والظهور بمظهر الشخص الناضج المستغني عن عالم الكبار..

وهذا المطلب طبيعي وغريزي ومشروع ، إلا أنه قد يؤدي لنتائج سلبية إذا لم يتم تهيئة الشاب أو الفتاة لمرحلة الفطام النفسي..

فإذا كان الطفل قد تعوَّد منذ صغره على الاتكالية وعدم القدرة على تحمل المسؤولية في كافة شئونه ، وكان عاجزاً عن إبداء الرأي أو اتخاذ قرار فسوف تصطدم ميوله في مرحلة البلوغ بعجزه وعدم قدرته ، فينشأ داخله صراعٌ إما ينتهي بالتمرد والخروج عن سلطة الأبوين والبحث خارج المنزل عمن يساعده في تسيير شئون حياته كجماعة الرفاق والأقران والذين يعظم تأثيرهم في تلك المرحلة ، أو قد يؤدي لانطوائه وانعزاله وضعف شخصيته واستمراره في حالة الاتكالية والاعتماد على الآخرين..

ولذا فإن تهيئة الطفل منذ الصغر ، وإعداده لمرحلة الفطام النفسي هي أهم وسيلة لتفادي هذا الصراع ، كما أنه سيساعده على الاستقلال بحياته دون أن يفهم ذلك الاستقلال بصورة خاطئة ، إنما سيقترن الاستقلال لديه بمفهوم آخر هو المسؤولية والالتزام ومحاسبة النفس..

العبور إلى الاستقلال الآمن:

يجب مساعدة الطفل للاعتماد على ذاته في قضاء حوائجه كالمأكل والمشرب ، وآداء الواجبات المدرسية ، والاستقلال في النوم وهذه كلها خطوات لمساعدة الطفل على تحمل مسؤولية شئونه منذ الصغر..

وهنا نتطرق لبعض الخطوات لمساعدة الطفل على فهم معنى المسؤولية ومحاسبة النفس في حياته عامة ، وذلك من خلال عدة خطوات:

(1) تحدث مع ابنك عن معنى المسؤولية والالتزام الذاتي:

لابد من استغلال أي فرصة للحديث عن معنى الحرية والاستقلال واقترانه بمفهوم المسؤولية والالتزام..فعلامة نضج الإنسان وكبره إذا كانت تشمل منحه مزيد من الحرية في الخروج والدخول وتنظيم الوقت واختيار الأصدقاء بل واختيار مجالات الدراسة فإن هذا يقترن بقدرته على ضبط سلوكه ومحاسبة نفسه وتحريه الصواب قدر المستطاع في قراراته وأفعاله وسلوكياته..كلما كان جاداً ومسؤولاً وملتزماً كلما زادت مساحة الحرية الاستقلالية التي تمنح له..

كما يمكن التوقف معه لتحليل بعض المواقف أو القرارات التي قمت باتخاذها من واقع تحمل المسؤولية والالتزام بالوعد ومحاسبة النفس..كالوفاء بوعد لصديق كان يمكن تأجيله أو التنصل منه..أو دفع الفواتير والمستحقات في وقتها دون الانتظار حتى آخر الوقت ، أو الالتزام بمواعيد العمل والتزاماته دون التهرب منها..

(2) اغرس فيه قيمة محاسبة النفس والخوف من الله عز وجل:

فلابد من تعويد الطفل مراجعة أفعاله والمواقف المختلفة خلال يومه ليقيم نفسه ، وهل كانت تصرفاته على نحو جيد ومقبول ، وكيف يمكن تحسين آدائه غداً..كما أن شعوره بوجود الله عز جل ومراقبته له سينمي لديه الضمير الداخلي الذي سيمنعه عن ارتكاب أي خطأ أو يلومه عند أي زلة ..مع تعزيز رغبته في تحسين سلوكه وليس مجرد الندم على ما فاته..

وإليكم هذه القصة عن كيفية تربية الأطفال على مراقبة الله عز جل في السر والعلن:

"قال سهل بن عبدالله التستري : كنت وأنا ابن ثلاث سنين أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يوما : ألا تذكر الله الذي خلقك ، فقلت : كيف أذكره ؟ فقال : قل بقلبك عند تقلبك بثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك ، الله معي ، الله ناظري ، الله شاهدي ، فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته ، فقال : قل في كل ليلة سبع مرات ، فقلت ذلك ثم أعلمته ، فقال : قل ذلك كل ليلة إحدى عشرة مرة ، فقلته ، فوقع في قلبي حلاوته ، فلما كان بعد سنة ، قال لي خالي : احفظ ما علمتك ، ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة ، فلم أزل على ذلك سنين ، فوجدت لذلك حلاوة في سري ، ثم قال لي خالي يوما : يا سهل من كان الله معه وناظرا إليه وشاهده ، أيعصيه ؟ إياك والمعصية ، فكنت أخلو بنفسي فبعثوا بي إلى المكتب ، فقلت إني لأخشى أن يتفرق علي همي ، ولكن شارطوا المعلم أني أذهب إليه ساعة فأتعلم ثم أرجع ، فمضيت إلى الكُتّاب ، فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين ، وكنت أصوم الدهر وقوتي من خبز الشعير اثنتي عشرة سنة .

(3) أن يشارك في تحمل المسؤولية:

فلا يجب أن يبقى مفهوم المسؤولية معنوياً مجرداً ، لكن يجب أن يقترن بمجموعة من الأفعال التي يلتزم بها ويحاسب عليها كالمشاركة في الأعمال المنزلية-خاصة بالنسبة للفتيات- أو ترتيب حجرته وكتبه وألعابه ..أو مساعدة أخوته الأصغر في بعض شئونهم..أو شراء بعض لوازم الأسرة من الخارج.

هنا لابد أن يشعر بالتقدير والاستحسان لأفعاله وأنها جزءٌُ من بناء شخصيته وليست استغلالاً من قبل الكبار لطاقته أو إهداراً لوقته مع توضيح ما تمنحه هذه الأعمال له من مهارات جديدة يحتاجها في حياته.

(4) احترامه وتقديره:

فكلما أبدى الطفل إقبالاً على فهم مسؤولياته والالتزام بها..كلما مٌنح قدراً أكبر من التقدير والاحترام ، كما يجب تدريبه للمشاركة في إبداء الرأي فيما يخص شئون العائلة حتى يعتاد اتخاذ القرار ، بل ومناقشة رأيه مهما كان بسيطاً أو ساذجاً لتوضيح وجهة النظر الأخرى ، وللأسف فإن الكثير من الأسر يعاملون الطفل ككمٍ مهمل لا يجب أن يتدخل أو يشارك في جلسات الكبار ، وهنا يجب أن نفرق بين ما يمكن للطفل سماعه وإبداء الرأي فيه ، وبين ما لا يجب الحديث عنه أمامه أو إشراكه فيه..

ولنا في رسول الله صلى الله عليه قدوة حسنة في احترام الصغير حتى ولو في مجلس الكبار ، روى البخاري ومسلم :"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام أصغر القوم وعن يساره الأشياخ فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا، فتله رسول الله في يده" والغلام هو الفضل بن العباس رضي الله عنهما.

فهاهو النبي يستأذن الطفل في أن يسقي الكبار أولاً وهو حق لهم ، لكنه صلى الله عليه سلم لم ينس حق الطفل الصغير في الشرب وبدءً من يمين الشارب ، فكان جواب الطفل المذهل الذي يدل على حسن منطقه وفهمه لما يقال في هذا الموقف العظيم..

(5) لا تقبل اعتذاره:

فقد يبدأ الطفل في خلق الأعذار للتنصل من مسؤولياته ومحاولة دفع الآخرين للقيام بها ، إلا أن التساهل في هذا الأمر سيخلق طفلاً اتكالياً غير مبالياً متهرباً من مسؤولياته في المستقبل..ويمكن إبطال أعذاره بتأجيل العمل المطلوب ليومٍ آخر أو وقت لاحق يكون فيه أكثر استعداداً.

(6)معاقبته على الاستمرار في السلوك السيئ:

إن واصل ابنك السلوك السيئ فهذا هو الوقت المناسب لتحديد العقاب ؛ ليتعلم الطفل تحمل المسؤولية وعاقبة التنصل منها..وأفضل وسيلة للعقاب اختيار عقاب يناسب الخطأ الذي وقع فيه ، والذي يشعره ببعض الضيق.

مثال: لم يقم بترتيب ألعابه بعد الانتهاء من اللعب فإنه سيحرم من اللعب بها أو إخراجها من مكانها في اليوم التالي..
لم ينهِ واجباته في الموعد المحدد وتلكأ في أداء مهامه ، فإنه يحرم من شراء الحلوى في اليوم التالي..

وفي المقابل لابد من تشجيعه على تصرفاته المسؤولة ليقبل على الالتزام فعلى سبيل المثال: لقد كان اعترافك بكسر نافذة الجيران تصرفاً شجاعاً شكرًا لك على هذا الصدق، لقد لاحظت أنك أنهيت واجبك المدرسي قبل مشاهدة التلفاز لقد كان تصرفًا مسئولًا)].

أ. شروق محمد .

أ.بوعود

عدد المساهمات: 76
تاريخ التسجيل: 12/11/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى